بقلم – حسن مدن :
طلبت صحافية تعمل في مجلة أسبوعية إجراء حوار معي عن ما وصفته بـ "الوجه الآخر": "نريد تقديم وجهك الآخر للقراء"، وحين سألتها ماذا تقصد بـ "الوجه الآخر"، أجابت: نريد حديثاً بعيداً عن السياسة.. بعيداً عن الثقافة، لن تكون هناك أسئلة في السياسة ولا في الثقافة، سنركز فقط على حياتك الشخصية.
قلت: لا أظن أن الأمور تنفصل عن بعضها، فكل جانب في شخصية الإنسان يؤدي إلى جوانبها الأخرى، ولكنها أصرت على رأيها قائلة: "سنجد ما يمكن أن تقوله بهذا الصدد".
حفزني الأمر على التفكير في فكرة الوجه الأخر، وجهنا الآخر. : "الآخر هو نحن أيضاً"، لأن شخصية الإنسان تتكون من مستويات أو جوانب عدة، وأن الإنسان في حالة حوار دائم مع ذاته قبل الإقدام على اتخاذ قرار ما في حياته.
لكن وأنا أسعى للإجابة على أسئلة الصحافية شعرت أنه من الصعب الحديث عن شيء اسمه الوجه الآخر للإنسان، إن هذا الوجه الآخر هو تكملة للوجه الأول، إن جازت لنا الموافقة على هذا التقسيم الذي يبدو متعسفاً، ففهمنا للحياة أو طريقة وعينا لها أو أسلوب تعاطينا معها هي كلها أمور تشكل شخصيتنا التي يستحيل تقسيمها إلى وجهين: وجه أول ووجه ثانٍ.
طبعاً أنا لا أتحدث عن نوع التفاصيل التي كانت تشغل بال تلك الصحفية من نوع ما هي أكلات الإنسان المفضلة أو ما هي ألوانه المفضلة، رغم أن تفاصيل من هذا النوع تشي هي الأخرى بطبيعة الشخص الذي نحن إزاءه، وإنما أتحدث عن فكرة أن جوانب شخصية الإنسان، إذا كنا نتحدث عن شخصية سوية بطبيعة الحال، جوانب متداخلة وتشكل عالماً واحداً أو نسيجاً واحداً.
كلما كانت الشخصية سوية كلما بدت "عناصرها" المختلفة تتحد في هذا النسيج، الذي وإن انطوى على تعددٍ في العناصر، فإن مجموع هذا العناصر هي ما يشكل الشخصية، أما إذا تنافرت العناصر وتضاربت وتناقضت واشتبكت فإنها تخلق شخصية مضطربة، عصابية، وربما مرضية أيضاً.
وشخصية الإنسان هي الأخرى كائن حي ينمو ويتطور ويتحول لكن دون أن يفقد مكوناته الأساسية، أي إننا في مراحل العمر المختلفة نكتسب معارف وخبرات جديدة وأصدقاء جدداً، وبالتالي تدخل عناصر أخرى في تكويننا، ولكننا قادرين على دمج هذه العناصر في اتجاه إغناء ذواتنا وتطويرها وإثراءها لتبدو أكثر نضجاً.
****
العلاقة ضئيلة إلى حد لا يصدق بين الرأي الذي يكونه أحدنا عن نفسه أو حول نفسه وبين الغرور، ما يعني أن أحدنا لا يجرؤ على الاعتراف بذلك للمرآة التي يحلق ذقنه قبالتها. أحد الكتّاب قال إنه في الفترة ما بين السابعة عشرة والعشرين من عمره كان له رأي طيب حول نفسه، ويمكن القول إنه كان رأياً رائعاً. كان يشعر بأن لديه الدافع اللازم للبدء في عمل “شيء عظيم” وإنجازه، ولأن يكون ذا نفع للكثيرين في تقويم الأمور.
ويشرح ذلك قائلاً: "لا يمكنني القول إن موقفي ذاك كان نوعاً من البلاهة والأنانية، فبالرغم من أنه كان يزعجني أن أقابل بالاستحسان من الآخرين، بل وأن ألقى التصفيق منهم كذلك، إلا أن هدفي الأول لم يكن كما أظن استغلال الآخرين والاستفادة منهم، وإنما أن أكون مفيداً لهم. لقد كان ما أنويه أكثر تواضعاً، وكان يتمثل ببساطة في أن أكون ذا نفع لأمثالي”.
غير أن هذا الرأي الرائع حول النفس قد تهاوى كثيراً في ما بعد، أصبح الرجل يشعر بأنه مجرد من الحماية أحياناً، وكان يمكن له أن يتحمل بشكل أفضل أسلوبه في الحياة لو لم يكن يعي أنه أعلى من مهنته المنهكة، ومن متعه القليلة، ومن إيقاع حواره، لأن معرفة كل ذلك لا تساعده في الحقيقة على الاطمئنان والراحة، بل تولد لديه إحساساً بالإحباط وبأنه غير مؤهل لتجاوز الظروف المحيطة به.
لقد كان هو من صنع روتين حياته بنفسه، وبأسهل الأساليب: أسلوب التراكم، وكان يقينه أنه قادر على عمل أشياء أفضل قد أسلمه إلى التأجيل، وهذا سلاح رهيب وانتحاري في نهاية المطاف. لو قرر هذا الشخص الآن بالذات أن يؤكد لنفسه في نوع من القسم المتأخر: "سأصبح ما كنت أود أن أكونه بالضبط"، فإن ذلك سيكون أشبه بأن يقذف بنفسه إلى شيخوخة مبكرة، لأن ما يرغب فيه الآن هو أقل تواضعاً مما كان يرغب فيه قبل ثلاثين سنة، خصوصاً أنه لم يعد يهتم كثيراً بالحصول عليه.
تداعيات هذا الرجل تحثنا جميعاً على التأمل في فكرة وجيهة، حول نظرتنا إلى أنفسنا، وليس ذلك فحسب، وإنما أيضاً حول تلك التحولات التي تطرأ على هذه النظرة للذات، ففي متاهات الحياة الطويلة تأخذنا الأقدار إلى مصائر ومنعطفات لا تخطر على البال. قد نعيش سنوات طويلة حياة ذات نسق واحد، حياة رتيبة خالية من التحولات والنقلات، ولكن حدثاً واحداً عمره سنة أو حتى شهر يمكن أن يضطلع بدور حاسم في تغيير صورة حياتنا، وقد يكون هذا العامل الذي أحدث ما يشبه الانقلاب في حياتنا عابراً وسريعاً وأنه نفسه قد يغيب أو يتلاشى من حياتنا، ولكن بعد أن يكون قد أدى دور الصاعق الذي أحدث تلك الهزة التي لم تخطر على بالنا يوماً.
وهناك ما يمكن أن ندعه العرضي في حياتنا، يعني غير المخطط له والذي لم نسع إليه بوعي. حدث عارض، مفاجئ، غير متوقع، يبدو للوهلة الأولى بسيطاً وهامشياً وربما قد لا يثير لدينا كبير اهتمام عند أول وهلة، لكن نفاجأ فيما بعد أن هذا العرضي قد بات أساسياً في حياتنا.
****
قرأت مرة قصة قصيرة جميلة لكاتبة مصرية عنوانها : "الحالات الأخرى للبشر"، وهو عنوان يحرض على التأمل في الأمر، لكأنه يفرض علينا السؤال: ما هي الحالات الأخرى للبشر؟ وإذا كانت هي أخرى فبالقياس إلى ماذا؟ بمعنى ما هي الحالة الأولى المألوفة للناس لكي نتحدث عن حالة أو حالات أخرى غير مألوفة، أو عن وجه آخر غير مألوف؟ وهل الحالة الأخرى هي مجرد تحول للحالة الأولى، أم تراها هي الحالة الأصلية الكامنة في نفس أي منا؟
إن جواً من الصفاء قادر على أن يخلق لديك مزاجاً من الود والبهجة والفرح والود، سرعان ما يتعكر إزاء باعث على اليأس أو التشاؤم أو الخيبة. ولسوء الحظ فإن بواعث التأثير في النفس هي إجمالاً بواعث خارجية، خارجة عن إرادتنا في الأغلب، والمختلف هو فقط طريقة أو درجة استجابة كل منا لهذه البواعث. فبينما تبدو بعض النفوس بليدة أو محايدة، أو حتى قادرة بوعي وإتقان على تجنب أو تحييد هذه البواعث، فإن نفوساً أخرى كثيراً ما تكون سريعة التأثر بها. إن كلمة جارحة من شخص ما قادرة على أن تفسد مزاجك وأوقاتك وتقلب نهارك رأسا على عقب، فيما تبدو كلمة حلوة قادرة على أن تحيل حياتك إلى جنة من الفرح والنضارة.
ولسوء الحظ أيضاً فإن نفوسنا سريعة العطب، سريعة التأثر بالبواعث التي تأتينا من الخارج، خاصة إذا ما أسأنا فهمها، وخاصة أيضا إذا ما كانت مفسدة لأمزجتنا.
يجدر بنا إزاء ذلك أن نخلق لنفسنا أعياداً صغيرة كاسرة للمألوف، حتى لو كان المحيط من حولنا باعثاً على الإحباط واليأس، ففي الأعياد الصغيرة التي يقيمها الإنسان لنفسه ما يتلاءم مع التوق الفطري والسريرة التي جبلنا عليها في أن نحيا، وفي أن نجدد حياتنا بما يحررنا من الضجر.
****
يحكى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد أصابه الأرق في إحدى الليالي، فاستدعى وزيره جعفر البرمكي وقال له: " لقد ضاق صدري، وأرغب في التنزه في شوارع بغداد حتى أصل إلى دجلة لأروح عن نفسي في هذه الليلة".
انحنى الوزير أمام أميره، وتنكر الاثنان حتى يتجولا بحرية دون أن يلاحظهما أحد، ولضمان الأمن أكثر رافقهما حامل السيف مسرور. سار الثلاثة ببطء في شوارع بغداد النائمة حتى وصلوا ضفة النهر فرأوا زورقا راسياً فيه بحار يستعد للنوم.
طلب الخليفة المتنكر وتابعه من البحار أن يأخذهم في جولة مقابل مبلغ كبير من المال كتعويض، لأنه كان يستعد للنوم، لكن هذا الأخير رفض العرض لصدور أمر يمنع السير في النهر لأن الخليفة يتنزه في النهر.
أصر الخليفة المندهش لسماعه ردا كهذا على طلبه، ألا أن البحار أشار إلى قارب رائع يتقدم: "ألا ترون أن القارب الذي يقل الخليفة وأتباعه قادم نحوكم"، وأمام ارتيابهم ورفضهم الاقتناع أشار العجوز بإصبعه إلى القارب المنساب على الماء القادم باتجاههم، ويقول لهم:" ياالله! من في بغداد لا يعرف شكل مولانا الخليفة، انه هو بعينه، يرافقه وزيره جعفر وسيافه الخاص مسرور، وهاهم أولئك المماليك والمغنون معهم، اسمعوا المنادي الواقف على مقدمة القارب ينادي: يمنع الكبار والصغار، الشباب والشيوخ من الوجهاء والعامة من التنزه في النهر".
بلغت الدهشة بالخليفة أقصى درجاتها، لأنه لم يعط أبدا أمرا كهذا، ولأنه لم يتنزه في النهر منذ أكثر من عام، نظر إذ ذاك إلى جعفر سائلا بعينيه عن معنى هذا. كان القارب يقترب وكان رجل أشبه ما يكون بالخليفة يجلس على عرش مذهب وهو يرتدي ثوباً من القماش الأسود الموشى بالذهب، ويقف على يمينه رجل شديد الشبه بالوزير جعفر وعلى يساره ينتصب رجل يحمل في يده سيفا مسلولاً، يكاد يكون صورة عن مسرور سياف الخليفة.
هذه الحكاية المأخوذة من حكايات ألف ليلة وليلة أوردتها فاطمة المرنيسي في احد مؤلفاتها وهي تحدثنا عن الرعب الذي يصيبنا حين نقف أمام ذاتنا، حين نقابلها قادمة إلينا، ليس في المرآة، وإنما في الحياة، والأغرب من هذا كله كيف نذهل لذلك الغريب الساكن فينا، المتواري في أعماقنا.. ألن نصاب بشيء أشبه بدوار الرأس إن لم يكن بالجنون.
ملحق "شرفات" جريدة عمان
