أوروبا والمهاجرون وسؤال حقوق الإنسان
تاريخ النشر : 2015-04-21 08:31

هربوا من الموت إلى الموت، 700 - 950 من المهاجرين غرقوا قريبا من السواحل الأوروبية، وقبلها بأيام غرق 400 إنسان، والأمس 20/ 4، غرق زورق على متنه 300 إنسان، وسفينة أخرى تطلب النجدة وقد تغرق. وخلال الشهور الثلاثة الماضية غرق 1600 إنسان. وكانت حصيلة الغرقى في العام 2014 حوالي 3500 إنسان، وآلاف غرقوا في سنوات سابقة. ضحايا بالجملة ماتوا غرقا، ابتلعهم البحر، بينهم نساء وأطفال وعائلات بأكملها وجلهم من الشباب، معظمهم غرقوا على سواحل العالم الحر.  
مأساة إنسانية جديدة من المفترض انها تؤرق ما تبقى من ضمير حي في عالمنا المتوحش. انها محنة الباحثين عن مكان آمن، عن خبز ودواء وعمل. مشكلة انتجتها أنظمة مستبدة لا تسال إلا عن استمرارها في الحكم وولوغها دماء الفقراء وتجويعهم واستعبادهم. كان ردها على احتجاجاتهم ومطالباتهم بالحرية والخبز والكرامة بالقتل والتدمير والتشريد. لم يتدخل النظام الدولي لتأمين الحماية لهم في أوطانهم انسجاما مع ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة وملحقاتها. بل تخاذل الكبار في الدفاع عن ابسط حقوق الشعوب كالحق في الحياة رغم استخدام كل أسلحة الدمار الشامل ضدهم بما في ذلك الغازات السامة. وكانت دول الكبار تتحالف مع الأنظمة الديكتاتورية وتبرم مع زعمائها الصفقات وتستقبلهم استقبال الميامين وتغض الطرف عن جرائمهم وفسادهم وقمعهم لشعوبهم. وقبل ذلك، كانت هذه الدول تستعمر الشعوب وتستغلها وتنهب مواردها وتكبح تطورها. ولم يمض طويل وقت قبل ان تعيد بناء علاقات تحالف تبعي مع الأنظمة الديكتاتورية المحلية. لم تتصالح هذه الأنظمة مع ماضيها الاستعماري بل استبدلته بأشكال جديدة. 
انتقلت الشعوب من الحالة الاستعمارية الى الحكم الديكتاتوري القمعي، وعندما حاولت انتزاع حقوقها وحريتها تعرضت لأبشع أشكال القمع والتدخل والتواطؤ. وذهبت شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ومعها ميثاق الأمم المتحدة أدراج الرياح. اقتصر تدخل الدول الكبرى على  الدفاع عن مصالحها الحيوية - النفط والقواعد والأسواق وبيع السلاح  والأنظمة التابعة -.
لم يبق أمام ملايين البشر إلا الهروب من الموت والجوع وذل الحياة  الى أي مكان آمن، وكانت وجهة جزء منهم  دول العالم  الحر التي تتغنى وتحتفي ليلا نهارا بحقوق الإنسان. ولم يدر بخلدهم انهم هاربون من موت إلى موت.
لقد اتهمت منظمة العفو الدولية، ومنظمات حقوق إنسان فرنسية، الاتحاد الأوروبي بتعريض حياة آلاف المهاجرين للخطر بعد إلغاء عمليات الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط. وحاولت دول الاتحاد إجبار إيطاليا على التخلي عن مهمة الإنقاذ بدعوى أنها تشجع على زيادة عدد المهاجرين الى بلدانها. واستبدال عمليات الإنقاذ بالمراقبة. وكان الاتحاد الأوروبي قد قلص العام الماضي من عمليات الإنقاذ. الامتناع عن الإنقاذ وتقليصه ساهم في إزهاق أرواح البشر. ولا يمكن إغفال حقيقة إنقاذ حوالي 170 ألف شخص كانت حياتهم مهددة. إن إنقاذ مثل هذا العدد يؤكد ان عملية الإنقاذ ممكنة وأن تقليص عدد الضحايا الى أقل بكثير من عددهم الفعلي ممكن أيضا.  
الموت جوعا او في الحرب الأهلية جريمة تتحملها الأنظمة المستبدة الديكتاتورية. أما الموت غرقا في البحر فجريمة تتحملها الدول الأوروبية. والموتان برسم النظام الدولي الذي أشعل الحروب ولم يسع إلى إطفائها. كانت المفاجئة الكبرى بتحول السياسة الرسمية للاتحاد الأوروبي الى سياسة القوى العنصرية اليمينية المعادية للمهاجرين في بلدانه. هذا التحول الرجعي الكبير أزاح منظومة القيم والحقوق الإنسانية التي روجتها دول الاتحاد الأوروبي ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبفعل ذلك صار الخطاب السياسي والإعلامي الذي يروج تلك القيم بلا مضمون وفاقدا لمصداقيته. 
لم تقدم الدول الأوروبية بديلا لرفضها الهجرة. بالمساهمة في وقف الحروب الأهلية، وفي دعم حلول للازمات الاقتصادية الخانقة. أو بوضع المهاجرين في مخيمات مؤقتة او انتقالية داخل أوروبا بشروط إنسانية وبإشراف المنظمات الدولية وتحويل قضيتهم الى قضية دولية تشارك في حلها جذريا  دول العالم. غير ان امتناع دول الاتحاد الأوروبي عن إنقاذ البشر ما هو إلا سقوط في السؤال الإنساني. لا يوجد أي مبرر بالمطلق  للامتناع عن عمليات الإنقاذ الإنسانية. إن الاستنكاف عن إنقاذ أطفال وأبرياء يغرقون، يرقى الى مستوى جرائم بحق الإنسانية. مأساة هؤلاء المنكوبين ليست قدرا لا فكاك منه. كان بالإمكان إنقاذهم وإبعادهم الى أي مكان آمن بعيدا عن بلدان الاتحاد، التي أصبحت تميز بين عرق وآخر، بين لون وآخر، بين أطفال وأطفال، بين دم ودم. إن بلدا كلبنان استوعب اكثر من ربع سكانه من اللاجئين، والأردن محدود الموارد استوعب ملايين العراقيين والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين واليمنيين ولم ترتعد فرائصه كما هي عليه حال دول الاتحاد الأوروبي فزعا من المهاجرين. - حتى صار الرد على نشيد  وين الملايين الشعب العربي وين: في الأردن، نكتة أردنية -.
عصابات التهريب الإجرامية مسؤولة أيضا عن غرق المهاجرين، وذلك باستخدامها للسفن والزوارق القديمة المتهالكة الخارجة من الخدمة وتحميلها أضعاف طاقتها، مقابل مبالغ كبيرة من الأموال. يتم شراء السفينة بعشرة آلاف دولار واقل، وتفوق أرباح العصابة ما بين نصف مليون الى مليون دولار وأكثر. العصابة تعلم ان السفينة ذاهبة الى الهلاك بمن فيها، بعد ساعات من إقلاعها. ولا يضيرهم ارتكاب جريمة بحق المنكوبين ما يهمهم فقط المال. ولا تقل مسؤولية المليشيات الليبية المسلحة التي تسيطر على الميناء وتسمح باستخدامه عن مسؤولية العصابات في ارتكاب الجريمة البشعة. انهم شركاء في الجريمة ويتقاضون المبالغ لقاء السماح بمرور اللاجئين واستخدام السفن المتهالكة وانطلاقها من الموانئ التي يسيطرون عليها.  
بقي القول ان وضع حد لمأساة المهاجرين، مسؤولية دولية وأوروبية وعربية، بدءا بمحاسبة عصابات التهريب، والميليشيات المسلحة المشاركة في الجريمة. مرورا بإيجاد حلول لمشكلات المشردين من الحروب والمجاعات. باستيعابهم وتأمين شروط حياة إنسانية لهم. وانتهاء بوقف الحروب والتدخلات وإعادة اللاجئين الى أوطانهم.
[email protected]