غزة- خاص نوى- ياسمين ساق الله
داخل إحدى غرف مستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال في مدينة غزة، تجلس أم محمود بمفردها إلى جانب طفلها الصغير الذي يعاني من عيب خلقي في عضلات القلب والتهاب صدري وملامح التعب والإرهاق تكسو وجهها الصغير؛ ما جعلها غير مكترثة لوجودنا بجوارها.
اقتربنا أكثر من أم محمود، وسألناها عن سبب وجودها، تقول:" منذ أسبوع دخل ابني المستشفى لتدهور صحته، وأنا برفقته طوال الوقت، دون أن أتلقى أي دعم أو مساندتي من أحد في محنة طفلي".
مقصر بحقي
أم محمود، 30 عامًا، من سكان سوق الزاوية، ولديها ثلاثة أطفال آخرين غير طفلها "محمود" الذي يرقد على سرير المرض, تضيف:" تركت أطفالي عند أمي في البيت؛ وفقًا لرغبة زوجي الذي رفض البقاء عندهم، ورعايتهم طيلة فترة تواجدي هنا".
تتابع حديثها بألم بينما كانت تناول طفلها طعامه:" أتواجد ليل نهار مع طفلي ذي السنة والنصف وأنام برفقته، وزوجي لا يقوم بكل هذه المهام أو على الأقل التفوه بكلمة دعم لي فهو مقصّر بحقي وحق طفله كثيرا", موضحة أنه يأتي للحظات، ثم يغادر دون أن يسألها أن كانت تريد شيئا.
الاتصال بزوجها حازم، 36 عاما، أثناء تواجد "نوى" بجانبها، وهو يعمل "خضرجي" في سوق المعسكر، والحديث معه كان أشبه بمواجهة أمواج متلاطمة, حيث رفض في البداية الإجابة عن أسئلتنا، بعد لحظة صمت يجيب:" لماذا أرعى أبني بالمستشفى وامه على قيد الحياة ". ليس ذلك فحسب، بل أكد بنبرة صوت حازمة أن من واجبات الأم أن ترعى أبنائها داخل البيت وخارجه".
تابع حديثه بضجر:"لست مقصرًا بحق أبنائي، لكني أب مشغول في عمله؛ كي أوفر لهم ما يريدونه، وتواجدي بالمستشفى لا يضيف شيئا لطفلي".
هنا ردت أم محمود على حديثه:"عدم اهتمامي بطفله وبي طيلة وجودي بالمستشفى، تشعرني بأنني لا قيمة لي عنده، فجُل ما أتمناه في هذه اللحظات أن يشفي طفله أما هو لا يفرق معي", موضحة أن زوجها من الرجال الذي يرمون مسؤولية كل شيء على الزوجة.
دعم نفسي
الحالة التي تعيشها والدة الطفل محمود بحسب الأخصائية النفسية أمينة البواب تستوجب الدعم النفسي المضاعف، لاسيما وأنها تمر ما بين مراحل نفسية عدة أبرزها الصدمة والتقبل بالواقع المرير.
البواب، التي تعمل أخصائية نفسية منذ سنوات داخل مستشفى الرنتيسي تحرص من وقت لأخر إلى الذهاب لغرف الأطفال المرضى والجلوس مع أمهاتهم لتقديم الدعم النفسي لهن في هذه المحنة التي تثقل كاهلها, تضيف:" كثير من الأمهات التي ترافق أطفالها تفقد الرعاية والدعم والاهتمام من زوجها الذي يوبخها لتقصيرها بحقه وحق بيتها رغم تواجدها المستمر مع طفلها داخل المستشفى".
هنا يبدأ دورها في تقديم جلسات الدعم النفسي لهذه الأمهات المهمّشة من قبل أزواجهنـ والذي يزداد حملها كونها ترعي طفلها لوحدها دون مساندة أحد, تقول:" الرجال دائمًا يلقون مسؤولياتهم على عاتق المرأة دون التفكير بتقديم الدعم المعنوي لها حتى ولو بكلمة او زيارة ".
تؤكد البواب أن الأم أثناء مرافقتها لطفلها لفترات طويلة داخل المستشفى تكون بحاجة ماسة لمن يقدم لها الدعم فكيف لو كان من شريك حياتها, منوهةَ أن بعض الرجال المقصّرين في هذه القضية يدركون مسبقا أن سلوكهم غير مقصود ما يقلل من واجباته تجاه طفله وزوجته.
بحسب أطباء المستشفى يبلغ عدد الأطفال المرضى داخل هذه المستشفى ما يقارب 50 حالة منهم مرضى أورام وآخرين يعانون من التهاب صدري وغيره حيث يتم متابعتهم من قبل الممرضين والأطباء طيلة فترة تواجدهم.
لا وقت
حالة أخرى داخل مستشفى الشفاء هذه المرة للطفلة سارة محمد، 13 عاما، والتي تعرضت لكسر في قدمها اليسرى أثناء لعبها داخل المدرسة, حيث كانت والدتها بجانبها لحظة اقتراب نوى منها والتي كانت تضع الثلج على قدمها علّها تخفف من أوجاع طفلتها.
تقول لـ"نوى" بصوت مرهق:" منذ أسبوع أتواجد مع سارة، أكد الأطباء أنها بحاجة إلى عملية في قدمها، أنام معها كل يوم، وأعود إلى بيتي ساعة واحدة صباحا، لأطهو الطعام لأطفالي الأربعة ومن ثم اعود لها".
زوجها حسب ما نوهت يعمل سائق على الخط وليس لديه الوقت كما يقول لمرافقتها لفترة طويلة مع طفلتها داخل المستشفى, تضيف:" ليست هذه المرة الأولى التي يتركني فيها زوجي عند حدوث أي سوء لأطفالي فهو دائما يتحجج بعمله ويترك كل المسؤولية لي حتى عند العودة إلى البيت لا ألقى أي كلمة شكر منه للأسف".
هذا الواقع يضاعف من معاناة المرأة التي هي بحاجة ماسة ليد زوجها والمحيطين بها لتحنو عليها في محنة مرافقة أطفالها المرضى.
