بقلم - هويدا طه:
** لا اعرفً ما السبب في تلك اللامبالاة الشعبيه تجاه أزمة النيل! هل مثلاً الشعب المصري بليد.. إلى درجة أنه لا يكترث؟! بينما يوشك أن يضيع حقه الأبدي في مياه النيلخلف سد إثيوبيا الإجرامي؟ أم لعله لا يعلم أصلاً! أو ربما يعرف لكنه عاجز عن وقف الجريمة.. هل تراه يمنح الفرصة بصبره المعتاد لرجال دولته الحالية.. ليرى كيف سيمكنهم حماية حقه في الحياة؟! وماذا سيفعل إذا اكتشف بعد صبر أن من يركن إليهم لحماية حقه في الوجود ليسوا أهلاً لها؟!هل وبعد أن عاش آلاف السنين– وفي تواطؤ جمعي على الذات – قرر أن ينقرض بهدوء.. بلا مقاومة؟! في جميع الأحوال وأياً كان التفسير لتلك البلادة الشعبية تجاه أزمة النيل.. فإننا مقدمون على كارثة وجوديةنواجهها ببلادة مذهلة! بينما السد الإجرامي يعلو كل يوم في الجنوب..
** أثيوبيا تراقب بسعادة انغماس مصر – نظاماً وشعباً- في الوحل الشرقي.. وتعمل بأقصى طاقتها استغلالاً لتلك الفرصة التاريخية كي يكتمل السد الإجرامي.. في الوقت الذي ننشغل فيه نحن ليل نهار بمتابعة مسلسل رخيصعن حرب يشنها مجرمون على شعب اليمن، نراقب باستسلام مهين التفاوض على نصيب جنود مصر في (صفقات الدم)، حيث يساوم أمراء النفط الخليجيبملياراتهم لشراء حياة جنود بؤساء من باكستان ومصر وغيرهما.. لحماية عروشهم،الجميع في مصر تقريبا غارق في ذلك الوحل: مؤسسات الدولة من رئيسها إلى غفيرها، إعلامنا الرخيص، معظم من يسمون أنفسهم ثواراً، الكيانات المسخ المسماة أحزاباً، كل من يتنفس في هذا البلد... الجميع مشغول بالسعودية وملياراتها وتسعيرة الجندي المصري في صفقات العروش والدم.. بينما السد الإجرامي يعلو كل يوم في الجنوب..
** وذلك في وقت لم تعد مصر فيه واثقة تماماً من هو عدوها ومن هو حليفها.. أو لعلها تعرف لكنها بدلت أدوارهم.. فصار العدو حليفاً وصار الحليف عدواً! بغض النظر إن كان للطرف الآخر نفس الموقف! مصر تحارب الدواعش في ليبيا وفي قلب المدن المصرية.. لكنها وفي نفس الوقت تساند دواعش اليمن في حربهم للقضاء على الحوثيين! مصر تميل نظرياً إلى الحفاظ على سوريا من الإنزلاق إلى الفوضى.. لكنها تتحالف مع السعودية التي تقف وراء كل خراب حاق بسوريا! مصر صارت تبدو مطمئنة لإسرائيل.. بينما إسرائيل تتربص بنا شرقاً وتوغلت في أفريقيا جنوباً وفي ليبيا غرباً وتسرق غازنا البحري شمالاً! مصر تلهث بمذلة وراء قطاع طرق تقيم لهم حفلات أعياد الميلاد.. وتمنحهم بسخاء أراضيها التي تحرم منها أبنائها.. وهم أنفسهم.. قطاع الطرق هؤلاء.. شاركوا في تمويل سد أثيوبيا الإجرامي الذي يعلو كل يوم في الجنوب..
** لا الحكومة تبدو في موقفٍ قوي يطمأننا أو يحترم حقنا في المعلومات ولا الجمهور يلقي بالاً لمن يحاول أن يقول للمصريين: أفيقوا فالنيل يُسرق منكم! منذ أسابيع قليلة كانت هناك مجموعة من الشباب الواعين وبعضهم متخصص كباحث في أمور المياه واتفاقيات الأنهار الدولية وألاعيب الرأسمالية العالمية.. بدأوا حملة شعبية للدفاع عن النيل.. ونظموا عدة وقفات على كوبري أكتوبر.. فقط ليقولوا للناس أفيقوا، تعرض بعضهم لمضايقات من الشرطة تحت سمع وبصر المارة.. دون أن يهتز لهؤلاء المارة جفن! إلى هذا الحد هيمن على العقول إعلام الرأسماليين!لتبدومصر وكأنها تنشغل بكل شيء إلا مياه النيل!
** باختصار لابد أن نواجه أنفسنا بعدة أسئلة: أولاً: ماذا نفعل كي نجبر الحكومة على احترام حقنا في المعلومات بخصوص قضية مياه النيل؟ ثانياً: كيف نساند الحملة الشعبية للدفاع عن النيل بعيداً عن المسار الحكومي، فتنتشر انتشاراً يجعلها قضية المصريين الأولى وهي كذلك فعلاً رغم هذا التغييب الإجرامي؟ ثالثاً: كيف يتكون لدينا برنامجٌ شاملٌ تعليمي وثقافي بخصوص النيل.. يتم نشره بين كل فئات المجتمع بكل الوسائل، ومتى سيكون لدينا برنامج إعلامي للمتابعة اليومية.. ساعة بساعة.. للتطورات في مساعي مصر إن وجُدت لحفظ حقها في النيل؟ رابعاً: كيف تتكون لدينا بعيداً عن الحكومة جبهة من كل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني.. فتلك قضية الجميع،ترفع شعار: حماية النيل أهم من حماية الخليج.. بل أهم من أي شيءٍ آخر، وتتحرك دولياً لتعريف العالم - وليس استجداءه - بأن حق المصريين في النيل هو حقٌ دونه القتال..
** وأخيراً.. لماذا نتحاشى بهذه الذلة الكلام عن الخيارات الأخرى غير خيار التفاوض؟! إن حرمني أحدٌ في هذا العالم من حقي المطلق في مياه النيل.. فليس أمامي من خيارٍ آخر سوى قتاله وبكل الطرق، هذا ما يجب أن يعرفه العالم..
لا وسيلة أخرى.. محطات تحلية أو غيره.. يمكن أن تغنينا إذا شح النيل، قالها الشاعر علي محمود طه عن النيل:
أخي إن جفاك النهرُ أو جفَ نبعُه
مشى الموتُ في زهري وقصف عودي
حياتك في الوادي حياتي، فإنما
وجودك في هذي الحياة وجودي!
