المعاقات ذهنيًا من التهميش إلى الانتاج
تاريخ النشر : 2015-04-14 12:49

غزة- خاص نوى- ماجدة البلبيسي                                                      

"كانت داليا منشفة ريقي، حركتها كثيرة في البيت، وتضرب أخوتها الصغار، ومن يوم ما عرفت أنه في مؤسسة ممكن تستقبلها شالت عبء كبير عن كتافي".

تقول أم جهاد والدة داليا" تنفست الصعداء حينما تم قبول ابنتي في مركز" لا تنسوني أبدا" في منطقة مشروع بيت لاهيا، " الآن داليا أصبحت إنسانة أخرى متعاونة ومطيعة ومنتجة، تساندي في كل أعمال البيت، ترأف بأخوتها الصغار".

أصيبت داليا بإعاقة ذهنية إثر سقطوها من دراجتها قبل إتمامها السنة الأولى من عمرها، لتعايش هذه الإعاقة حتى السادسة عشر، وهو عمرها الحالي.

 تروى أم جهاد إحدى المواقف التي عانت منها لأكثر من شهرين، خلال يومي إجازة المؤسسة الخميس والجمعة تريد أن تذهب للمركز، تلح على كي أوصلها المؤسسة للتأكد بنفسها من أن المؤسسة تغلق أبوابها في هذين اليومين.

داليا، واحدة من ذوات الإعاقة الذهنية " العقلية " اللواتي أسقطهن الإحصاء من تعداده لتبقى أعدادهن مجهولة، في ظل عدم وجود مؤسسات تأهيل خاصة بهذه الشريحة التي بقيت مهملة ومهمشة أسريا ومجتمعيا طيلة سنوات،

ووجدت نحو (19) فتاة منهن في مركز "لا تنسوني أبدا" الممول من قبل السويد ضآالتهن، فتح أبوابه في العام 2008،  ليتبنى هذه الفئة ويساهم في تطوريهن ليصبحن  مُنتجات يعتمدن على أنفسهن، محاولات تجاوز إعاقتهن الصعبة.

حياة داليا اختلفت عما قبل، بحسب والدتها، فهي تهوى كثيرا الجلوس أمام التلفاز وتحضر الأفلام والمسلسلات وتعشق الأغاني، تضيف:" تدندن بكلمات لا أفلح في فك طلاسمها، ولكني أشعر بسعادتها عبر تعبيرات ملامحها".

تعلمت ابنتي في المؤسسة أعمال التطريز، وارتبطت بمدربتها كثيرا، تعمل أعمال الصوف، بدأت أشعر بأن هناك تطور في قدرتها العقلية، ولكنني متخوفة من وصولها لسن العشرين، وهو السن الذي سوف تغادر فيه المؤسسة، متسائلة ماذا سأفعل حينها؟...

فكرة دمج  الفتيات من ذوات الإعاقة الذهنية في المركز جاءت نتيجة إلحاح من الأسر أنفسهم حينما تباري لأسماعهم أن المركز يعتني بتأهيل الفتيان الذكور من ذوي الإعاقة، إلى حين يجرى دمجهم في المجتمع بعد إتقانهم حِرف مهنية وتعلمهم أساسيات القراءة والكتابة والأعمال المهنية البسيطة فيما تبقى فئة الإناث خارج الاهتمام.

 مدربة التأهيل عطاف محسن التي قضت أكثر من ربع قرن من حياتها في العمل، وما تزال :"بناء على رغبة الأهل واعتراضهن على عدم استيعاب بناتهن من ذوات الإعاقة الذهنية أسوة بالذكور، ونظرا للعنف التي تتعرض له تلك الشريحة تقبل المركز فكرة وجود مركز لتأهيل هؤلاء الفتيات من سن( 10-20 )سنة بدأت الفكرة تتبلور بعد طرحها على المؤسسة السويدية.

تضيف محسن لاقت هذه الفكرة قبولا من المجتمع واستهدفنا ذوات الإعاقة من محافظة الشمال فقط، تلقينا اتصالات من محافظة رفح لقبول عدد آخر، ولكننا لم نستطع استيعاب المزيد من العدد؛ نظرا للتكلفة المرتفعة لرعاية مثل تلك الحالات والمدة الطويلة التي تستغرقها عملية التأهيل والدمج، موضحة أن المؤسسة تستهدف( 110 )حالة من  سن( 2- 20) عاما ضمن برامج متميزة.

تشكل نسبة الإعاقة وسط الإناث وفق مسح الإعاقة لعام 2012 للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (45،25%) مقابل (54،75%) من الذكور من العدد الكلي للإعاقة وهو(40379) . وتتمركز الإعاقة وسط الإناث في الفئة العمرية من (0-34) عاماً.

وعن الخطوات الأولى المتبعة في برنامج التأهيل قالت محسن:" نبدأ بتعليم أساسيات القراءة والكتابة بناء على اختبارات معينة تشخيصية واختبار آخر خاص بالعلاج الوظيفي وبمشاركة الأهل يتم عمل خطة منفردة لكل حالة على حدة".

تتابع تستغرق عملية محو الأمية من( 3-4 )سنوات تقريباً لتتمكن الفتاة من معرفة كتابة اسمها وتوقيعها، والعد الحسابي للرقم عشرة، وأيام الأسبوع ومن ثم نبدأ بالتدريب عن طريق التقليد والممارسة العملية على المهارات الحياتية التي تشمل النظافة الشخصية والاعتناء بالذات، وآداب المائدة و الأكل والشراب، واللبس...

مديرة المؤسسة سوزان النحال تؤكد في  حديثها لـ " نوى" بأنها تسعى من خلال المؤسسة إلى الوصول إلى درجة الاستقلال الذاتي كخطوة أولى على طريق التمكين الاقتصادي لهؤلاء الفتيات؛ لتكريس الاعتماد على الذات بالتدريج، من خلال طاقم متخصص من ذوات الخبرة الطويلة.

تابعت" بدأنا العمل معهن في المجال المهني بتوصيل المعلومات والمعرفة خطوة خطوة وكانت الإمساك  بالإبرة أول هذه الخطوات الهامة و الصعبة لما تحتمله من خطورة، ومن أولويات عملنا الحفاظ على حياة الفتاة، ومن ثم أساسيات الخياطة اليدوية مثل التسريجة، الكباس، السحاب، تركيب الزر وانطلقنا من الاحتياجات الذاتية لهن". ومن ثم انطلق العمل بالتطريز للحافظ على هويتنا وتراثنا الفلسطيني بطريقتنا الخاصة فتعلَمن التطريز وإحداهن من أتقنته في غضون سنتين على الرغم من إعاقتها المركبة.

تستذكر النحال  قصة إحدى الفتيات اللواتي تم طردها من مدرستها لصعوبة استيعابها للمنهاج الدراسي، وبعد فشل جهودنا في عودتها للتعليم؛ لتعنت ورفض إدارة المدرسة، فتم استيعابها ضمن المؤسسة والآن أصبحت منتِجة وأتقنت مهارات مختلفة في فن التطريز والحياكة.

تقول النحال جرى تخريج( 21) فتاة بعد سن العشرين بعد أن أتقّن المهارات وأصبحن يعملن لحسابهن الخاص في بيوتهن، ويعتمدن على أنفسهن ويقضين وقت فراغهن، ولم يعدنَ يُشكلهن عبء على أسرهن والمجتمع وفق من ورد على ألسنة ذويهن.

وتضيف النحال "حاولنا عرض منتجات هؤلاء الفتيات في معارض محلية، لترويج وتسويق منتجاتهن وخلق مصدر دخل خاص لهن وهذا ما نجحن فيه، وكانت هذه المنتجات تُدر  دخلا ذاتياً وفيراً لهن.

عن التحديات المستقبلية التي تواجه المؤسسة، تقول النحال" العدوان، واستمرار الحصار أدى إلى تردى الوضع الاقتصادي، وتأثر الطلب على منتجات ذوات الإعاقة في ظل  ندرة المواد الخام، عدا عن ضعف التعاطي الإعلامي مع قضية ذوات الإعاقة العقلية على خلاف الإعاقات الأخرى. وكذلك عدم وجود اختصاصيين نفسيين مؤهلين للتعامل مع هذه الشريحة من ذوات الإعاقة العقلية. داعيةً المؤسسات النسوية والاتحادات ووزارة شؤون المرأة بأهمية تبني قضايا ذوات الإعاقة.