غزة- خاص نوى -ولاء فروانة
فقدت عائلة أبو سبلة الريفية البسيطة، وتقطن شرق مدينة رفح، ابنها ناجي أبو سبلة، 21 عامًا، وأصيب ثلاثة من أفراد العائلة بجروح متفاوتة؛ بتاريخ 28/ 2/ 2015، نتيجة انفجار جسم من مخلفات الاحتلال، يُعتقد أنه قذيفة مدفعية، سقطت على المنطقة فترة العدوان، ولم تنفجر.
تقول أم ناجي أبو سبلة، والدة ناجي أن عائلتها كانت تعيش بأمن واستقرار، وفجأة اكتشف أحد أفرادها جسم معدني مدفون في الأرض قرب منزلهم، كانت مياه الأمطار التي هطلت شتاءً أظهرت جزءًا منه.
توضح أن الشكوك ساورت ابنها، الذي قرر وعدد من أقربائه وأشقائه إخراجه من الأرض، لإبعاد خطره عنهم، غير متوقعين حجم الخطر الكامن بداخله.
تقول: "حاولوا تحريكه وإخراجه من الأرض، فانفجر بصورة مفاجئة، متسبباً باستشهاد ابني ناجي وإصابة الآخرين، حوّل حياة عائلتي البسيطة إلى حزن وألم ومعاناة".
تضيف" أحد أفراد العائلة أصيب بإعاقات، ولايزال يخضع للعلاج في المشافي، والحادثة ألقت بظلال سيئة على جميع سكان المنطقة".
عائلة أبو سبلة ليست الوحيدة، التي عانت من تلك الأجسام، يقول المواطن أحمد حسن من سكان بلدة النصر شمال مدينة رفح، أن جيرانه فُجِعُوا بإصابة عدد من أبنائهم بانفجار جسم من مخلفات الاحتلال، جعلتهم يتخذون كل الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها.
يوضح حسن أنهم فور عودتهم إلى منزلهم الذي أُجبروا على تركه فترة العدوان، فُوجِئوا بقذيفة في فنائه لم تنفجر، فسارع الجميع بالفرار، ولم يحركها أحد، واتصلوا بالشرطة، التي أرسلت خبراء، وقاموا بتفكيكها وإزالة خطرها.
وضعت الحرب أوزارها منذ نحو سبعة أشهر، لكن آثارها ما تزال باقية تحصد المزيد من أرواح الغزيين، فمخلفات الاحتلال المتناثرة في أرجاء القطاع تهدد حياة سكانه، ويمكن في أي لحظة أن تحولها إلى مأساة..
مخاطر كامنة
يحذر خبير في هندسة المتفجرات بشرطة غزة، من وجود محتمل لأجسام متفجرة أو مشبوهة، خاصة تحت ركام المنازل التي تعرضت للقصف أو التفجير خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع.
يؤكد الملازم محمد مقداد، من الإدارة العامة لهندسة المتفجرات بخان يونس، أن ضباط وجنود الإدارة نفذوا مئات المهمات الخطرة والشاقة منذ انتهاء العدوان، نجحوا خلالها من تفكيك وتعطيل مفعول عشرات الأطنان، من أكثر أنواع المتفجرات خطورة، مشيرا ان في محافظات الجنوب وحدها تم إتلاف أربعة عشر طناً.
يوضح مقداد أنه تم إنجاز أكثر من 2645 مهمة لإتلاف المتفجرات في خانيونس العام الماضي، و820 مهمة في رفح من نفس النوع. يقول" نجحنا في تفكيكك وإزالة صواريخ طائرات، وقذائف دبابات، وأنواع أخرى من المقذوفات والمتفجرات، وهذا وفر حماية كبيرة للسكان المدنيين، خاصة أولئك ممن يقطنون المناطق الشرقية، التي كانت مسرحاً لعمليات قوات الاحتلال خلال العدوان.
خلال مقابلة مع "نوى" يذكر مقداد قسمين من المتفجرات التي يُعتقد وجودها في القطاع: الأول، يتمثل في وجود ألغام أو صواريخ أو حتى أجزاء من صواريخ، تحت ركام منازل ومباني سبق قصفها أو تدميرها بزرع ألغام في محيطها، وهي الأكثر خطورة كونها غير مرئية، وتشكل خطراً محدقاً على مدار الساعة. مؤكدًا أن إزالة أخطار هذا النوع من المتفجرات، لا يتم إلا عبر رفع آمن وعلمي لركام المنازل، بإشراف ومتابعة من مختصين.
القسم الثاني بحسب مقداد: قذائف وأجسام أُلقيت ولم تنفجر، وربما تكون متناثرة على مساحات واسعة في البساتين والأراضي الزراعية، قد تكون مدفونة تحت الأرض، وهي خطيرة لكن بدرجة أقل من السابقة، لأنه تم اكتشاف وتفكيك معظمها، ومن الممكن رؤيتها وتبليغ الجهات المعنية بها، بعكس سابقتها، التي عادة ما تكون مخفية تحت الركام.
حملات توعية
يشدد مقداد على أن إدارته وعلى مدار الأشهر الماضية، رغم امكاناتها القليلة والمتواضعة نفذت حملات توعية مكثفة، اشتملت على مدارس ومساجد ومؤسسات مجتمع مدني، وهدفت جميعها للتوعية من مخاطر الأجسام الغريبة والخطرة.
يكرر مقداد تحذيرات سبق وأطلقتها هندسة المتفجرات، من تجنب لمس أو تحريك أي جسم غريب أو مشبوه يتم العثور عليه، والمسارعة للاتصال بالجهات المعنية، التي تتولى مهمة تأمين المنطقة، وإزالة خطر الجسم المذكور.
يقول" المتفجرات هي الشيء الوحيد الذي كلما تقادم زادت خطورته، فرؤية جسم متفجر متآكل ومعدنه الخارجي نهشه الصدأ، لا يعني أنه تالف، على العكس فإمكانية انفجار هذا الجسم أكثر من غيره..
من جهته يقول" أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة، بأنه عادةً بعد الحروب وما وما تخلفه آلة الحرب الإسرائيلية، يكون هناك العديد من المخلفات التفجيرية التي تؤدي الى إصابة المواطنين، فمنذ انتهاء الحرب وحتى الآن وصل مشافي القطاع أربعة شهداء وأحد عشر جريحاً، جراء الأجسام المذكورة.
يؤكد القدرة أن هذا الأمر يستدعي تجريم الاحتلال من قبل منظمات حقوق الانسان والجهات المعنية؛ لثني الاحتلال عن ممارسة المشهد الاجرامي اليومي بحق الشعب الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة. مشيرًا أن معظم الحالات ظهرت في الأراضي الزراعية الشرقية والأحياء السكنية القريبة من المناطق التي كانت مسرحاً للعمليات العسكرية، الأمر الذي أثر على المزارعين وبات الأمان شبه معدوم في هذه الأماكن، حيث تكون في هذه المناطق فرصة الإصابة أكثر منها في المناطق الداخلية والوسطى، ذاكراٌ بأن أغلب الإصابات تكون في منطقة الصدر والوجه والكفين حيث تتعرض أحيانا للبتر وأخرى إصابات مباشرة.
ضحايا أبرياء
يعتبر جامعوا الخردة، من أكثر الأشخاص عرضة لانفجار الأجسام المذكورة، فسرعان ما ينخدع هؤلاء بشكل الجسم المعدني، ويظنوا أنه كنز يمكن أن يدر عليهم دخل جيد، دون علمهم بأن باطنه يحمل الموت والأذى.
يقول إبراهيم جراد، يعمل في جمع الخردة من مناطق شرق رفح وخان يونس،أن العديد من رفاق مهنته أُصيبوا وتعرضوا لبتر أطرافهم، وبعضهم قُتل جراء الأجسام المذكورة.
يؤكد جراد أنه شخصياً تعرض لحادثة كادت أن تودي بحياته، حين صدف جسم معدني كبير، لم يكن على شكل قذيفة أو صاروخ، بينما كان يحاول تحريكه ونقله، شعر بارتفاع حرارته، وبأن ملمس الحديد الخارجي للجسم بدأ يميل للسخونة، حينها أدرك الأمر، وفر مسرعاً، ثم ارتمى على الأرض، وما هي إلا لحظات حتى دوى انفجار هز المنطقة بأسرها، لكنه نجا من الموت.
يوضح انه منذ ذلك الحين، يعمل بحذر شديد، ولا يحرك جسم يشك بأمره، حتى وإن كان كبيراً، معتقدا أن المناطق الحدودية المحاذية لشرق القطاع، مليئة بالأجسام الخطرة والمتفجرة.
ويعتقد مزارعون خاصة ممن تقع أراضيهم في مناطق متفرقة شرق وشمال قطاع غزة، أن ثمة العشرات بل المئات من تلك الأجسام متناثرة على مساحات واسعة، ويبقى خطرها قائما في حال تم لمسها أو تحريكها.
من جانبها، تقول الخبيرة والاخصائية الاجتماعية أمل نجم بأن وجود الألغام هي جزء من الضريبة التي تدفعها المرأة الفلسطينية خاصة العاملة بالحقل الزراعي او التي تسكن بالقرب من هذه الأراضي، وتضاف لتضحيات المرأة حيث تعيش في توتر وقلق واضطراب وقلق من مجهول بشكل يومي.
تؤكد أن فكرة وجود الألغام ومخلفات الاحتلال تؤثر على العامل في الأراضي الزراعية وعلى إنتاجه الاقتصادي نتيجة تخوفه فكيف لو كانت امرأة من تعمل وهي الأضعف، وأضافت بأنه في حال وجود أطفال لها فيتحول تأثيره الى هاجس ورعب من خوفها عليهم بأن يمسهم مكروه، وفي ظل هذا الواضع الاقتصادي الصعب في قطاع غزة تضطر المرأة هي وزوجها أن تعمل في مصدر العيش الوحيد والمهدد.
تشير نجم بأنه في كُل الأحوال تأثير وجود مخلفات الاحتلال، هو مباشر على المرأة سواء العاملة بإصابتها مباشرة أو إصابة زوجها ومعيل أبنائها أو أحد اطفالها أو بالتأثير على دخلهم فتدفع المرأة الثمن الأكبر دوما حسب قولها.
