كتب – جهاد هديب
على الطريقة ذاتها التي قُتل فيها غارسيا لوركا على يد جهل وظلامية لا تعرف ما الذي تقترف، قُتل رميا بالرصاص وأمام الناس إبان الأحداث المؤسفة في العاصمة الكينية نيروبي، أحد كبار شعراء أفريقيا الكبار الأحياء الغاني كوفي أونور (1935 - 2013).
لقد قتل الطفل والشاعر الذي فيه معا فخرج رئيس غانا ليعلن عن ذلك أمام شاشات فضائية العالم ثم ليشيع هذا الخبر عن شاعر كبير وسياسي معارض كبير. بالتأكيد كان هذا الطفل السبعيني من بين أطفال ونساء رجال مسالمين دفعوا حياتهم بلا إذن مسبق لإنهائها من قبل القتلة، وكأن أفريقيا مجتمعة ينقصها ألم آخر.
لجهة التعريف، فقد ولد كوفي أونور لعائلة ريفية تقطن مزرعة في أراضي شعب الإيوي الذي ينتسب إليه أبويه، وعاش طفولته وشبابه المبكر هناك، ويرى نقّاد كثيرون أن سرّ شعره يكمن في أن جذر هذا الشعر يضرب عميقا في الشعر الشفوي الريفي في المنطقة التي عاش فيها طفولته وتأثره به على مستوى الإيقاعين: الشعري والنثري الشفويين والعمق والبساطة التي تميّز القول الشعري لديه ثم ربطه بالحس الإنساني والتوق إلى العيش المشترك ذي المساواة بين الأفراد والجماعات، خاصة في أفريقيا، التي آلمته كثيرا عذاباتها التي لا تنتهي.
يقول مفتتحا واحدة من أشهر قصائده التي كتبها مطلع السبعينات: "هذه الأرض، أخي"، وهي قصيدة مليئة بالاستعارات القائمة على مفردات من البيئة الطبيعية والشعبية لثقافة شعب الإيوي والتي – أي الاستعارات - تنهاض الاستعمار الغربي المباشر وغير المباشر لبلاد هي بلاده وقد تجزأت أراضي شعوبها التي كانت من قبل الحضور الثقيل للامبريالية بلادا بلا حدود، تماما مثلما هي أميركا اللاتينية، حيث ثمة شعب هندي يقول: "هذه الأرض، أختي".
في أية حال درس الرجل في جامعة غانا ثم أكمل تعليمه في لندن ونيويورك وهناك تعرف إلى عذابات السود وإلى ثقافات أخرى عديدة جعلته يكتشف جوانب أخرى في شخصيته الشعرية وشخصيته الإنسانية، بحيث ظلّ وفيا لمجد البساطة وشرف الكلمة النبيلة، مع ذلك اكتسب نوعا من الرمزية الشفيفة التي تجعل الشعر غامضا، لا عصيا، على الفهم ويحمل رسالة مباشرة، لذلك لم يكن شاعرا نخبويا بل شاعر الناس الذي يعرف متاعبهم ومشاغلهم جيدا.
بدأ مشواره السياسي في الجامعة، وفي العام 1964 أصدر ديوانه الأول أثناء ما كان طالبا في الجامعة التي عاد إليها في ما بعد أستاذا للأدب الأفريقي، وما بينهما أصدر عددا من الدواوين الأخرى وكذلك بحوثا اجتماعية وروايات، وصدر له العام 2014 ديوانا يحمل العنوان: وعود من الأمل، قصائد جديدة ومنتخبات عن صندوق الكتاب الشعري الأفريقي ومطبوعات جامعة نبراسكا معا، والقصيدة التالية "نحو فجر جديد" هي من هذا الديوان.
ما يجدر قوله هنا، أن المقتل البشع لهذا الشاعر الكبير، ينبغي أن يلفت الانتباه إلى الشعر الأفريقي الذي لا نعرف عنه شيئا نحن العرب أبدا، حتى لكأننا أمة الشعر الوحيدة في التجربة البشرية، في حين ثمة في العالم، وتحديدا أفريقيا التي تتألم الكثير من الشعر.
في صدد القصيدة فليس هناك الكثير مما يُقال حولها سوى أن فيها نوع من العودة إلى مطلعها في نهايتها أو ما يذكر بهذا المطلع إذ ترد عبارة "بانسجام مع الرسومات الأصيلة" التي تحيل بذكاء إلى عبارة أخرى ترد في مقدمتها: "مكيدة اللون مع الرسومات المتعددة تلك، وضعهما معا أول رسام" مؤثرا رسومات على كلمة أو كلمات التي تشير كل منها إلى نوع من الفن أو أثر فني أو زخرفي، حيث الرسام هنا استعارة واضحة للطبيعة، وهذه الترجمة محض اجتهاد آملا أنني قد وفقت بعض الشيء ..
ما يلي القصيدة:
نحو فجر جديد
نقرأ أبياتا من الشعر
في ورقة شجرة خضراء،
أحيانا،
تجري أصابعنا فوق
نعومة خشب أنيق
قُدّ من أشجار قديمة.
أحيانا،
حتى الغروب يرتبك
برغم أننا نشير إلى
تلك التخوم التي تحث
الغيومَ على المسير،
مكيدة اللون
في الرسومات المتعددة تلك
صاغهما معا أول رسام
*
ثمة رقص في الشوارع ثانية
ضحك الأطفال تُقرع أجراسُه
في كل مكان في البيوت
وعلى شاطئ البحر
هناك الخرائب الجديدة
وقد خلّفتْها وراءها آخر العواصف
إنها ذكرى من أسلاف أغنياء
نُهبت وسُرقت وارتُتهنت
من قبل جدٍّ مجنون
ذلك الذي عاش حياة إله
ثم دفع بأجيال قادمة
إلى يأس وخراب
*
مَن الذي قال أن زماننا مشرق؟
صانع الصندوق والحفّار
في جلسة مؤتمر
أم هؤلاء العُظاة
، الذين عرّضوا أرديتهم للريح،
والجوقة والطبّالون
أكانوا يعيدون القول بصوت عالٍ
كلا، كانوا حيث الديدان
تلتهم حبوب الزرع.
المستشارون المعبودون
قاسوا الوقت
بذرائَعَ عاصفةٍ مديدةٍ
من الخلود
والموت، عندما أتى
إلى الباب صحبة خريطة مناداة
لا تضاهى
يجب أن يجد المنزل
وقد بُعثتْ ثانية فيه الروح بضحك ورقص
ومهرجان من لحم
الحملان الشابة وعصيدة حمراء
من حبّات الذرة الجديدة.
*
نحن المحتفلون
مَن اجتيحت حقولهم
من قِبَل محتالين
ورجال فاسدين آخرين
قاطعوا رقصنا
بأغنيات فاحشة
وإيماءات رديئة،
قال أحدهم: إنهم سمك مريض
يسبح على سطح بحيرتنا
يبحث عن مكان
ليزرع بيوضه فيه
بانسجام مع الرسومات الأصيلة،
يا معلم، إذا كان بوسعك أن تكون
المجذّف البارع لقاربنا
نرجوك أن تقُدْه،
قُدْه،
قُدْه،
مرةً طلبتُ منك من قبل،
قرب شاطئ
عند البيت حيث ضاقت
جبهة البحر بالفضاء الموجز للطفولة،
إننا نرحّب بالجوّالين
فادخل إلى البيت بقارب نقيّ جديد
قُدّ من شجرة غير مائل جذعُها.
نشرت هذه الترجمة للقصيدة مع التقديم في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاماراتية في العام 2013 بعد استشهاد الشاعر مباشرة في إحدى مراكز التسوق في العاصمة الكينية في إثر تفجير أودى بحيوات كثيرين من الأبرياء على أيدي إرهابيي جماعة الشباب الصومالية. ألم يكن الشعر شهيدا في تلك اللحظة ذاتها؟ والتنوير، أو جوهر فكرته بالأحرى، ألم يكن شهيدا أيضا؟
