مسوغات متهافتة للعدوان السعودي الإقليمي الرجعي على اليمن
تاريخ النشر : 2015-04-01 22:30

بقلم : عليان عليان

ها نحن نتابع مجدداً الفصل الرابع من دور الجامعة العربية بقيادة دول مجلس التعاون الخليجي، في التآمر على قضايا الأمة العربية، إضافة إلى دورها التآمري الذي لم يتوقف على القضية الفلسطينية، وهي بذلك تعيد الاعتبار للدور الذي حددته بريطانيا لها، عندما وقفت وراء تأسيسها ذلك الدور الذي تم تغييره بعد ثورة 23 تموز بقيادة خالد الذكر جمال عبد الناصر.

فبعد تآمر دول النفط على العراق وليبيا وسورية، يجيء دور التآمر على اليمن في محاولة بائسة لقهر الجغرافيا السياسية الجديدة المتشكلة في اليمن، بعد ما فشلت في تغيير الجغرافيا السياسية في سورية، بسبب صمود سورية العروبة وانتقال جيشها من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم والحسم الاستراتيجي.

فقرار مجلس وزراء خارجية الدول العربية -باستثناء العراق والجزائر وسلطنة عمان- بدعم العدوان السعودي الرجعي الغادر، الذي بدأ منذ فجر الخميس الماضي على اليمن، عندما قامت مئة طائرة حربية سعودية بمشاركة عشرات الطائرات من دول عربية وإقليمية دخلت مع السعودية في إطار تحالف عشري لضرب اليمن، بتنسيق ودعم لوجستي واستخباري أمريكي، يذكرنا بالتحالف الأميركي الرجعي الغربي الذي نظمته واشنطن لاحتلال العراق 2003.

والأخطر من ذلك، توصية وزراء خارجية هذه الدول المرتهنة والتابعة لأمريكا لمؤتمر القمة، بشأن خطة لتشكيل قوة عربية مشتركة للتدخل في اليمن، استناداً لاتفاقية الدفاع المشتركة، بذريعة الدفاع عن الدول العربية التي تتعرض لعدوان خارجي، بينما واقع الحال يقول أن تشكيلها جاء لقمع أي تحرك عربي تحرري يضع حداً للتبعية وللارتهان العربي الرسمي للإرادة الصهيو-أميركية، ولا نجافي الحقيقة بشيء إذ نقول: إن القوة العربية المشتركة جاءت بمشيئة صهيو-أميركية، ولا تمت بصلة لما يسمى اتفاقية الدفاع المشترك، وأنها لا تعدو كونها قوةً للدفاع عن الإرهاب والمصالح الأمريكية.

والأسئلة التي تطرح هنا: لماذا لم تشكّل هذه القوة عشية العدوان على العراق عام 2003 للتصدي للعدوان الإمبريالي الأمريكي الأطلسي على العراق؟ ولماذا تحولت معظم أنظمة الحكم العربية ولاسيما الخليجية إلى منصات للعدوان على العراق؟ ولماذا سهّل النظام الرسمي العربي، في معظم مفاصله، مهمة الغرب الأطلسي للفتك بليبيا؟ ولماذا تحولت الجامعة العربية - العبرية إلى أداة لدعم العدوان الإرهابي المتصل على سورية.

وهذا التحالف نظم بليل وبتمويه تكتيكي من أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي عبر تصريح له عشية العدوان على اليمن، مفاده أنه ليس بمقدور الجامعة حلّ أزمة اليمن وإعادة الشرعية إلى مكانها من دون تدخل دولي، وقد استند هذا التحالف بقيادة السعودية إلى ما يلي:

أولاً: الزعم بأن التحالف يستهدف حماية الأمن الخليجي والأمن القومي العربي من التدخل الإيراني.

ثانياً: الزعم بأن التحالف يستهدف الحيلولة دون تحكم أنصار الله وإيران بمضيق باب المندب.

ثالثاً: إعادة الاعتبار للمبادرة الخليجية في اليمن وإعادة الاعتبار لشرعية عبد ربه منصور هادي.

هذه المسوغات المتهافتة مدعاة للسخرية، لكونها لا تصمد أمام أي قراءة علمية وموضوعية.

ففي مواجهة المسوغ الأول، نطرح السؤال الآتي: ما علاقة إيران بالحراك الداخلي اليمني المتمرد على سلب سيادته لمصلحة آل سعود؟ ما علاقة إيران بتمرد الشعب اليمني وثورته على تدويل قضيته، ووضعها عملياً تحت الوصاية الدولية؟ وهل إعادة الاعتبار للقرار اليمني المستقل يهدد أمن السعودية وقطر والبحرين والإمارات؟ وهل قدر مفروض على اليمن أن تكون علاقته أحادية الجانب مع حكام السعودية وتحت وصايتهم؟ ألا يحق للشعب اليمني أن ينسج تحالفاته مع إيران من موقع الند على أرضية من القواسم السياسية المشتركة؟ وهل تحالف كهذا يضر بالأمن القومي العربي؟

لقد ردد حكام السعودية ونظام السيسي في مصر، معزوفة الأمن القومي العربي وأن التغيير الذي أجراه تنظيم «أنصار الله» في المعادلة السياسية اليمنية، يهدد هذا الأمن.. وهم بترديد هذه المعزوفة يستهينون بوعي الشارع العربي، ويتجاهلون حقائق دامغة تعري هذه المسوغات وأصحابها، ومن هذه الحقائق، أن الذي كان ولايزال يهدد الأمن القومي العربي هو الكيان الصهيوني المدعوم أميركياً وغربياً، حيث يتجاهل أصحاب هذا المسوغ هذه الحقيقة ويسعون لحرف بوصلة التناقض، لتصبح باتجاه أنصار الله وإيران وسورية وحزب الله.

وهم إذ يحرفون بوصلة التناقض، فإنما ينفذون تعليمات الإدارة الأمريكية، فتراهم ينفخون صباح مساء في القضية الطائفية والمذهبية، في عملية تجييش ضد أطراف حلف المقاومة، وكل من يؤيد هذا الحلف، وكل من ينطق بالعداء ضد الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وها نحن نسمع من وسائل إعلام هذا الحلف وخاصةً فضائيتي الجزيرة والعربية، أن الهجوم العشري على اليمن هو هجوم الجيوش السنية على الشيعة!!

وهم إذ يتحدثون عن الهجوم السني على الشيعة، فإنهم يستهدفون ضرب النسيج الاجتماعي للشعب اليمني والأمة العربية، فإذا كان هنالك من تقارب أو تحالف بين إيران وأنصار الله، فإنما يتم على خلفية قواسم سياسية وليس على خلفية طائفية أو مذهبية؟

ويتجاهل أولئك المنتسبون للعروبة والقومية العربية، والعروبة منهم براء، أن أنصار الله «الزيديين» متآخون في السلوك الديني اليومي، مع بقية أشقائهم من أبناء اليمن الذين يأخذون بالمذهب الشافعي، وكلاهما يصلي في المسجد ذاته ويستمع للإمام ذاته، إضافة إلى أنهم يختلفون لكن من دون صراع مع المذهب الشيعي في قضية ولاية الفقيه وغيرها.

ويحق لنا أن نسأل الحكومة المصرية: هل ما يحصل في اليمن يهدد الأمن القومي المصري والعربي.. كيف؟ وهل التغييرات الداخلية في اليمن تمس الأمن القومي العربي والمصري جزء منه؟

إن الحكومة المصرية تلوك عبارات الأمن القومي، من دون تقديم دليل حسي ملموس يشير إلى كيف يؤثر التغيير في اليمن في الأمن القومي العربي والمصري؟؟... وكيف تهدد إيران الأمن القومي المصري؟

وتتجاهل الحكومة المصرية حقيقة أن قطاع غزة خاصة وفلسطين عامة هي من صميم أمنها القومي، وأن العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة هو عدوان على الأمن القومي المصري والعربي، وتتجاهل حقيقة أن من يقوض الأمن القومي العربي والمصري، هو استمرار التزام الحكومة المصرية بمعاهدة «كامب ديفيد» مع الكيان الصهيوني.

ويحق لنا أن نسأل دول الخليج: لماذا تعد هذه الدول إيران وأنصار الله تهديداً لها بينما تفتح مياهها وموانئها وبرها للأساطيل والسفن الحربية الأمريكية والفرنسية والبريطانية؟ وفي الوقت الذي تمنح الغرب فيه امتياز سرقة ثروات شعوبها؟ ووضع كل أرصدتها في بنوك الغرب لتتحول إلى حسابات وديون دفترية غير قابلة للاستعادة؟ ولماذا لم تحتج ذات يوم على نظام الشاهنشاه الإيراني عندما كان يأمرهم فينتهون؟

ويحق لنا أن نتساءل: أين كانت القيادة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي وأسلحتها الجوية، وأين كانت «عاصفة الحزم السعودية» عندما شنّ الكيان الصهيوني ثلاث حروب على قطاع غزة في غضون أقل من خمس سنوات؟ وهل الأمن القومي العربي والخليجي لا يتضرر من وجود الكيان الصهيوني وجرائمه؟ ولماذا تصر الحكومة السعودية على فرض مبادرتها المسماة «عربية» لحل القضية الفلسطينية رغم رفض العدو الصهيوني لها منذ ثلاثة عشر عاماً، ورغم ما تنطوي عليها من تآمر على حق العودة، ومن تطبيع، ومن سعي لإدماج الكيان الصهيوني في المنطقة؟

وبشأن المسوغ الثاني لشن العدوان العشري على اليمن، المتمثل بالحيلولة دون تحكم أنصار الله وإيران بمضيق باب المندب، فإنه مسوغ رخيص ومتهافت لا ينطلي على أي مراقب، ولا يتضمن أي دليل، فإيران حتى اللحظة ورغم صراعها مع الغرب لم تغلق مضيق هرمز، فكيف لها، وهي على بعد آلاف الأميال، أن تغلق مضيق باب المندب.

ولكشف زيف هذا المسوغ نطرح الأسئلة الآتية: ألا تهدد القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية الموجودة في جيبوتي، والمطلة على باب المندب الملاحة في هذا المضيق؟ وألا يهدد وجودها الأمن القومي العربي والمصري؟ وألا يهدد الوجود العسكري الإسرائيلي المتحرك في مينائي عصب ومصوع الأمن القومي والخليجي؟ هذه الأسئلة الكاشفة الفاضحة تفضح مثل هذا المسوغ.

أما مسوغ إعادة الاعتبار للمبادرة الخليجية في اليمن، وإعادة الشرعية المزعومة ممثلةً بالرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، فهو مسوغ متهافت ومرفوض من قبل الشعب اليمني ومن معظم قواه السياسية.. لماذا؟ لأن المبادرة الخليجية جاءت لتحول دون انتصار إرادة ثورة فبراير اليمنية عام 2011، ولتعيد وضع اليمن تحت الوصاية السعودية أولاً، وتحت الوصاية الدولية ثانياً.

أما مسوغ إعادة الشرعية لليمن ممثلة بالرئيس هادي، فهو مسوغ متهافت ومكشوف ولاسيما أن «أنصار الله» ومعظم القوى السياسية اليمنية، كان لديها الاستعداد لاستكمال الحوار لحل الأزمة اليمنية في مسقط بوصفها عاصمة محايدة، ورفضت أن يكون الحوار في الرياض لكون النظام السعودي منحازاً ومعنياً بإبقاء اليمن تحت وصايته في إطار التبعية لأمريكا.

كما يجب ألا يغيب عن بال أحد، أن عبد ربه منصور هادي، هو من مخرجات مبادرة الوصاية الخليجية، ثم إنه استنفد مدته القانونية وفق المبادرة نفسها.

وأخيراً نقول: إن حكام السعودية الذين بدؤوا بشن الحرب على اليمن، لن يكون في وسعهم إنهاؤها، وأن الكلمة الأخيرة في الحرب ستكون للشعب اليمني، وكان عليهم أن يتعظوا من تجربة الاستعمارين العثماني والبريطاني اللذين فشلا في إخضاع اليمن واستعماره.