سخنين-نوى-شيرين خليفة:
لم تترك عائلة الشهيد رجا أبو ريا –أحد شهداء يوم الأرض عام 1976- مناسبة وطنية إلا وشاركت فيها بكامل أفرادها، كما تقول زوجته الحاجة صبحية أبو ريا "أم شادية"، التي تشارك سنوياً هي وبناتها الأربع وأزواجهم وأولادهم في فعاليات إحياء ذكرى يوم الأرض، والتي يتم تنظيمها في بلدة سخنين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م.
تقول الحاجة أم شادية في حديث لنوى بمناسبة الذكرى 39 ليوم الأرض :"أذكر ذلك اليوم جيداً وكأنه حدث الآن، حينها كانت شادية أكبر بناتي تبلغ أربع سنوات، وأصغرهن 3 شهور، منذ الاحتلال الإسرائيلي لبلادنا عشنا وسط المجتمع المحتل نعاني الكثير من المضايقات، ولكن لم يسبق أن حدثت أي صدامات".
كان الاحتلال الإسرائيلي الذي أعلن دولته على أنقاض البلدات الفلسطينية المدمرة عام 1948، والتي رحل غالبية اهلها نتيجة جرائم الجماعات العسكرية الإسرائيلية، أما من بقي من الفلسطينيين داخل هذه البلدات يدافعون عن هويتها الفلسطينية فقد عرفوا بعد قرار التقسيم باسم عرب الداخل أو عرب 48، لكنهم لم يسلموا من المضايقات المستمرة والمتواصلة من قبل سلطات الاحتلال.
تقول أم شادية :"كانوا يصادرون الأراضي الزراعية لتحويلها إلى مراكز تدريب لجنودهم، كانت مليئة بالمتفجرات، استشهد بسببها الكثير من الشبان العرب، فكانت نفوس الناس مشحونة جدا".
كان الاحتلال قد أصدر عام 1950 قانون أملاك الغائبين والذي كان يسيطر بموجبه على آلاف الدونمات من أراضي المواطنين الفلسطينيين الذين هاجروا أثناء النكبة، قبل أحداث يوم الأرض كان الاحتلال الإسرائيلي قد صادر أيضاً مئات الدونمات الزراعية لمواطنين ما زالوا يعيشوا على أرضهم.
تقول أم شادية :"حدثت اجتماعات بين الشبان قرروا على إثرها الإضراب وتنفيذ احتجاجات ضد سياسة السلطات الإسرائيلي، وليلة 30 مارس هاجمت دوريات الاحتلال عدة قرى هي سخنين، عرابة، دير حنا، طرعان، طمرة ، وكابول، وحاولت منع الناس بالقوة".
تضيف :"يوم 30 مارس خرج كل الناس في تظاهرات جماعية نساء ورجال ضد مصادرة الأراضي، ووقعت اشتباكات سقط على اثرها 6 شهداء، بينهم 3 من سخنين أحدهم زوجي رجا".
أصيب الشهيد رجا بداية بإصابة خطيرة في وجهه، منع الاحتلال نقله إلى المستشفى وصرخ في وجه ابن عمه الذي حاوله إنقاذه :"سنتركه حتى يموت"، وبعد تدهور حالته تمكن ابن عمه من نقله للمستشفى حيث توفي هناك.
تقول أم شادية :"لم يسبق أن شهدنا مثل هذه الاشتباكات، امتلأت البلدات الفلسطينية بالجنود، عاملوا الناس بفظاعة، ولكن كان الناس أشد إصراراً منهم، دماء الشهداء لم تذهب هدراً، بل عادت الأراضي لأصحابها، زوجي كان تواقاً للشهادة، وقد أخبرني أصحابه بعد استشهاده بأنه لطالما تمنى أن يكون شهيداً فداء للوطن والقضية".
صُدم الاحتلال بالواقع، فما حدث يعني أن الفلسطينيين لا ينسون أرضهم أبداً، وانهم سيواصلوا التعامل معهم باعتبارهم احتلالاً وليسوا سلطات حكم.
هنا تؤكد أم شادية :"بعد استشهاد زوجي ربيت بناتي وعلمتهم جيداً، أفهمتهم لماذا استشهد والدهم ليبقوا على نهجه، تزوجت البنات وأنجبن جميعاً وأيضاً يعلمن أبناءهن لماذا استشهد جدهم".
وإذ تبدو أم شادية سيدة قوية تحملت عثرات الزمن، لكنها بالمقابل قوية بما تحمل من مبدأ أرادت نقله للأجيال، عن فلسطين هي فلسطين ولا شيء نتربى عليه يحمل إسماً آخر.
أما ابنتها جليلة والتي كانت تبلغ عاماً وثلاثة شهور حين استشهد والدها :"نشأت ابنة شهيد من أجل الوطن، وهذا أمر أفخر به، تربيت وأنا أعلم ما يعنيه ذلك من مسئولية، علمتني والدتي أن والدي حمل قضية، وأن علينا نحن بناته ان نكون مثله".
يدرك أبناء جليلة الأربعة جيداً الهدف الذي من أجله استشهد جدهم، تعلموا ان الوطن يفتدى بالدماء، وتعلموا ان فلسطين التاريخية لا تعرف القسمة، وأن أبناء سخنين سيظلوا على ترابها صادمون.
تقول جليلة :"صحيح انني حرمت حنان الأب، لكن تعلمت جيداً ان التضحية من اجل الوطن واجب، وعلمت هذا لأبنائي، ربيتهم على أن فلسطين لنا وأن الاحتلال إلى زوال، هذه هي قضيتنا التي من اجلها نناضل".
يعيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أكثر من مليون ونصف فلسطيني بينهم نحو 83% مسلمون و10% مسيحيون والباقي دروز، كلهم مازالوا يعيشون كفلسطينيين يناضلون لنيل حقوقهم الاجتماعية والسياسية في ظل حكم احتل بلادهم، يعرفون هذا جيداً، يشاركون في كل الفعاليات الوطنية؛ ويناضلون لتثبيت هويتهم الفلسطينية.
