الأمة والتباهي بالتاريخ
تاريخ النشر : 2015-03-28 09:34

بقلم – غازي انعيم

هل يمكن أن تتباهى الأمة بتاريخها الحاضر الذي لا يمت بأي صلة لماضيها.. فإذا كانت الأمة تتباهى بتاريخها الذي غير العام في حقب مختلفة وجعل الأمم تتحرك على بوصلتها فإن هذا التاريخ يبقى اليوم، وبعد ان أصبحنا نُسَيّر بالريموت، افتراضيا في غياب إعادة ضخ الذاكرة بما يشكل معالم لهذه الأجيال التي سممت أفكارها.. والتي تعرف عن آخر موضات اللبس وقصات الشعر والراقصات أكثر ما تعرفه عن قادة الفتوحات الاسلامية ومعاركها المجيدة التي كانت تخاض ضد المعتدي والغازي لأمتهم.. وتعرف عن ارب آيدل أكثر ما تعرف عن الطهطاوي وطارق ابن زياد وشوقي وعبد الرحمن منيف وممدوح عدوان وسعد الله ونوس وكريم مروة وغالب هلسا ومحمود مختار والطاهر وطار والطيب صالح والابنودي وسيد درويش والشيخ امام والقائمة تطول سيما ان الوطن العربي فيه مئات المبدعين المغيبين...

نحن امة بلا ذاكرة.. امة لا تستقوي الا على بعضها البعض امة تمجد الغزو على القرطاس والقلم.. بل أصبحت هذه الأمة تحتقر القرطاس والقلم وتقدس المدفع والطائرة والصاروخ.. ( ثمن طائرة واحدة يصرف على الثقافة في الوطن العربي لمدة عشرة سنوات ).

حسنا؛ فلكل امة تاريخها العسكري.. لكن لها ايضا تاريخها الثقافي والسياسي.. الذي يتحدث عن أن هناك في الوطن العربي أراضي عربية لا زالت محتلة من قبل الصهاينة وغيرهم . وكلنا يذكر في التاريخ كيف كان الاغريق يعتزون بالاسكندر المقدوني لكنهم بعتزون أكثر بآرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم... والانجليز بقدر اعتزازهم بأسطولهم البحري الذي احتلوا به العالم، لا يتنازلون قيد أنملة عن شكسبير، وهكذا يكون مخزون الذاكرة دماً ومداداً.

إن الحقيقة مرة ولو اتسمت بجلد الذات فالتاريخ في مناهج التعليم العربية، يقفز على حقائق كثيرة في تاريخ الأمة بمعنى آخر لا وجود لها في المناهج ومع التعديلات المستمرة للمناهج شطبت بشكل كامل فأصبحت مناهج التعليم العربية تؤكد على التجزئة وتُحمّل سايكس بيكو المسؤولية رغم رحيل الاستعمار منذ عشرات السنين.. فمن المسؤول عن التجزئة والقطيعة؟ ان القفز في مناهج التعليم العربية عن حقائق كثيرة في تاريخ الأمة العربية، يجعل من صنعتهم الصدفة أبطالاً، ويحيل بعض من صنعوا التاريخ إلى أرشيف الذاكرة المنسية... وهذا أدى إلى ظهور جيل فاقد للمعالم، يبحث عن ذاته في شوارع مسدودة .

ان اعلان الحرب على النسيان، وما يشاع من ثقافة سلبية وترميم ما خدش من كرامة هذه الأمة مسألة في غاية الأهمية، ويقتضي ان يتحرك المجتمع بمؤسساته كافة، ليعيد ترميم الذاكرة الجمعية لأنها ملح التاريخ وروح الأمة وهويتها، ومن يعتقد أن تجزئة التاريخ من شأنها أن تحافظ على السلم الثقافي، فهو مخطئ، ومن يتصور أن التاريخ هو الماضي لا يمكنه أن يفهم حاضره ولا يتلمس طريقه نحو مستقبله.