في قراءة للمشهد السياسي والاقتصادي ومحاولة حثيثة لمعرفة موقع المرأة الفلسطينية في هذه الخارطة فقد أثرى مركز شؤون المرأة المكتبة النسوية والعربية بدراسة حديثة تم تنفيذها في سبتمبر من هذا العام، وقد ابدعت هذه الدراسة تحليلا وايجازا للعديد من المحطات السياسية والاقتصادية في تاريخ المرأة الفلسطينية.
فقد تناولت الدراسةُ المرأةَ كمكوّنٍ فاعلٍ بحدّ ذاته، وكجزءٍ مكونٍ لبنية التفاعل الكليّة محلّ البحث. كما تمّ تناولها -كذلك- باعتبارها هدفاً وباعتبارها تسعى لتحقيق وضعيةٍ خاصةٍ من خلال بلورة مطالبها في إطارها المرتبط موضوعياً مع مكوّناتها المحيطة، وذلك من خلال نضالها متعدد الأشكال للمساهمة في البحث عن موقعٍ أكثر قرباً من طموح المرأة ومطالبها، ولائقاً لدورها ومكانتها.
فلا يمكن وضع كلّ الإشكاليات الاجتماعية–الثقافية، وكذلك السياسية-الاقتصادية للمرأة في سلّةٍ واحدةٍ وإطلاقُ حكمٍ معينٍ عليها، بل تغيّرت هذه الاعتبارات وتبلوراتها من فترةٍ لأخرى، ومن موضوعٍ لآخر حسب طبيعة العلاقة التي تحكم النسق العام بين المرأة والنسق السياسي المتشكّل والقائم، كذلك والمكوّن الاقتصادي الذي تتفاعل معه وتندرج ضمنه، فقد ركز البحث على تلك المضامين والمعادلات التي تحكم هذه العلاقات أكثر من كونه يغوص في جانبٍ معينٍ منها، حيث أثّرت شموليةُ موضوع البحث على اتساع الجانب النظري لفحص هذه العلاقات، ومن ثمّ؛ استخدام معطيات البحث خدمةً للوصول إلى ربطٍ نظريٍ يأخذ بعين الاعتبار المرأة والتشاركية والموضوعات السياسية والاقتصادية ومدى تأثيرها وارتباطها بوضعية المرأة ودورها الوظيفي العام والخاص.
وقد نفذ برنامج الأبحاث والمعلومات هذه الدراسة بعد أن تم الإعلان عن مسابقة بحثية للباحثين والباحثات حيث عمل على إعدادها كل من الباحث د.علاء أبو طه ورامي مراد وقاما بعرض أهم النتائج خلال مؤتمر أعلنت فيه مراحل العمل الميداني وأهم نتائج وتوصيات الدراسة خلال الشهر المنصرم.
أهم الاستنتاجات:
من أهم الاستنتاجات التي رفدتها الدراسة ما يلي:
- إن المرأة تجد في الابعاد الاجتماعية والتربوية والعمليات المرتبطة بها مكاناً ثابتاً وهاماً، بحيث يعتبر هذا البعد ملتصق إلى حد كبير بوظيفة المرأة، وأنه كلما اتسع هامش الاعتبارات الاجتماعية والتربوية تكون المرأة أمام خيارات أوسع للتأثير، ومن خلال تناول المجتمع الفلسطيني نجد أن المرأة الفلسطينية قامت بأدوارها الاجتماعية والتربوية وتأثرت بما تأثر به هذا الدور ومكانته وتغيراته ضمن تفاعلات المجتمع.
- إن المساهمات الاقتصادية والسياسية للمرأة الفلسطينية كانت محدودة ليس بالنظر الى الدور الذي تقوم به في هذا الاسهام، ولكن بمدى حضورها في صناعة هذا النسق والمشاركة في تكوينه وتجسيده، وهنا نجد أن المرأة الفلسطينية وبرغم الأدوار الاقتصادية والسياسية المختلفة التي استعرضها البحث مازالت غير قادرة على تطويع هذه الأدوار والمساهمات في خدمة قضية المرأة ومطالبها، وتحررها من القيود الاقتصادية والسياسية.
- تعتبر المرأة الفلسطينية أن موقعها من خريطة القوى السياسية والاقتصادية لا يتناسب مع اسهامها الفعلي بالرغم من خصوصية دورها النضالي على المستوى النضالي، فلم تتح هذه القوى مكانا ثابتا للمرأة الفلسطينية.
- تبين الدراسة أن المرأة الفلسطينية قد اختلف دورها ومساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية بتبدل الظرف الموضوعي، وقدمت الدراسة تأثير الانتفاضة الأولى نموذجا للقياس عليه، فبدلاً من أن تصنع المرأة الفرق والحدث لصالحها، أصبحت تسعى للاستسلام والمجاراة في بعض الحالات، وتجري بشكل مبسط تبديل الاولويات واصطفافها بتراتبية بين ابعادها الوطنية السياسية والحقوقية الاجتماعية.
- بالرغم من تجربة الانتخابات على المستوى السياسي، إلا انها لم تنتج حركة نسائية سياسية وازنة تستطيع التأثير على صناعة وصياغة القرار السياسي، وبالرغم من انخراط المرأة في بنية السلطة ومؤسساتها إلا انها لم تنل نصيبها الوافي في مراكز صنع القرار والدرجات الوظيفية العليا، والهيئات القيادية، كذلك ما تعلق بالمتغيرات الاقتصادية، فقد قامت المرأة بأدوار لم تنعكس على وضعيتها الاقتصادية الكلية، وحتى الاستقلال المالي الذي حازت عليه بعض النساء لم يكن كفيلاً بتحرر المرأة من قيود جاثمة تحد من فعاليتها ودورها الاقتصادي في البناء الوطني.
- مع استهداف السلطة بشكل مباشر من قبل الاحتلال، ومع عملية الحصار الاقتصادي والسياسي، وتصاعد وتيرة العدوان الاسرائيلي، ومع حجم المتغيرات الداخلية من انقسام كلها قضايا أثرت بشكل مباشر على المرأة بحد ذاتها وعلى دورها العام، وتحولت اجندات العلاج ذات طابع دولي لم يراعي الى حد كبير خصوصية المرأة الفلسطينية وبذلك انصبت هذه المعالجات في أغلبها الى تحسين الطابع المعيشي وليس الادائي، بمعنى الاهتمام اكثر بالعلاجات الآنية الاغاثية دون أن تتبنى رؤية تنموية واضحة لنهضة المرأة وإعادة دمجها في المركب العام بوظائفها المتعددة.
الإطار الزماني للبحث:
عالج البحث الفترة الزمنية الواقعة بين 1966 وحتى 2012، مع الإدراك بأن تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية لم يكن وليد تلك الفترة؛ بل امتدّ لفتراتٍ طويلةٍ سابقة؛ لكنّ البحث أخذ بعين الاعتبار معالجة التاريخ الحديث للكيانيّة السياسية للمرآة الفلسطينية، لذلك؛ بدأ التاريخ منذ تأسيس "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية" باعتباره المظلّة السياسية لمشاركة النساء في حالة الحراك السياسيّ للمرأة في إطار "منظمة التحرير الفلسطينية"
أبرز التوصيات:
- تسليط الضوء وتركيز الاهتمام على الأبعاد الاجتماعية والتربوية لدور المرأة الوظيفيّ في الحياة العامة، وتعزيز قدراتها في هذا المجال، من خلال دعم وتطوير برامج العمل المجتمعيّ، وتوسيع نسبة المشاركة الاجتماعية للمرأة بالعمل الخيري والطوعي والمنظّم.
- العمل مع المجموعات والمؤسسات القاعدية لتقريب المرأة من العمل العام، والتأثير في برامج هذه المجموعات والمؤسسات، وبالتالي؛ تعزيز دورها في التأثير على الحيّز الأوسع.
- التعاطي مع قضية المرأة باعتبارها جزءً صانعاً لعملية التنمية وليست مجرد هدفٍ آنيٍّ لها، بمعنى: دمج المرأة وزيادة نسبة تمثيلها في المجالس والهيئات المختلفة للمؤسسات المختلفة والمشاريع والبرامج التنموية التي تستهدف الشأن العام.
- توسيع رقعة المشاركة الاقتصادية للمرأة يستدعي دعم المشروعات الصغيرة كمدخلٍ لانخراط المرأة في البنية الاقتصادية المنتجة.
- تعزيز البعد الاجتماعي للصراع مع الاحتلال، وإعادة تظهير مضامين الفعل الاجتماعي الفلسطيني، كمدخلٍ لإعادة توضيح دور المرأة، وما يمكن ان تساهم في بنائه لمصلحة القضية الوطنية بشكلٍ عام.
- التأكيد على ترابطية الأبعاد السياسية بالاقتصادية بالحقوقية بعلاقةٍ جدليةٍ يتداخل كلٌ منها بالآخر، وهذه التفاعلات البينية تؤثر وتتأثر بوضعية المرأة، ولا يمكن الفصل بينها.
دراسة حديثة لمركز شؤون المرأة
