لماذا اخترت مهنة الصحافة؟
تاريخ النشر : 2015-03-21 17:27

تميزت بكتابتها  وطرحها لكافة المواضيع الحساسية  تطرح بجدية  الصحافية اسماء الغول في لقاء حصري مع موقع المونيتور  ننقله في وكاله نوى 

المونيتور:  لماذا اخترت مهنة الصحافة؟

الغول:  لم أقرّر ذلك... الصحافة ليست قراراً، بل هي إمّا صدفة أم أنّها تختارك. إنّها أقوى من كونها قراراً، فهي تتكاتف مع الصدفة والكتابة الأدبيّة، لتضعك في فخّها، وهذا ما حدث معي، فبدأت كتابة الشعر منذ سنّ الطفولة، لأجد نفسي لا أبرع سوى في الكتابة. وكتبت مقالي الأوّل في صحيفة صوت النساء، وأنا في المدرسة الثانويّة في عام 2000، ولكنّني قبلها، كنت نشرت بضع قصائد في صحيفة يراعات الأدبيّة. وحتّى الآن، وبعد مرور 15 عاماً على مقالي الأوّل، أجد أنّني لا أزال واقعة في فخّها، لكنّها تبقى بالنسبة إليّ أسهل بكثير من أعمال المنزل والأمومة، لذلك أصبحت في الفخّ فريسة راضية، لكن أعتقد أنّني سأثور يوماً.

المونيتور:  هل من إعلاميات شكّلن قدوةً لك لدى انطلاقتك في العمل الصحافي؟ من؟

الغول:  أحاطت بطفولتي شخصيّات نسائيّة مظلومة وقليلة الحيلة، وكنت أذكر أنّني كنت أراقبهنّ في طفولتي بحياديّة كاملة، كأنّني أنظر إلى مشهد لا أنتمي إليه. ذات مرّة، ركبت في السيّارة مع والدي، وكنّا نجلس في الكرسي الخلفيّ. وغالباً تجلس المرأة في غزّة في الخلف، وكان هناك متّسع لراكب آخر معنا، في حين تجلس امرأة في الكرسيّ الأماميّ، وجاء الراكب الأخير ليصعد، فطلب من السيّدة أن تجلس إلى جانبي في الخلف، لكنّها رفضت وفي شكل حاسم. استغربنا بشدّة، وصعد الرجل إلى جانب والدي. حين وصلنا، قلت رأيي لوالدي وهو أنّ ما فعلته الفتاة عيب. أعتقد أنّني كنت أشعر بالغيرة السريّة منها، فردّ والدي أنّه حقّها. ومنذ تلك اللحظة، لم تغب عن عقلي هذه المرأة، وأتقنت بدوري السباحة ضدّ التيّار.

المونيتور:  يبدو أن عدد النساء اللواتي يتولين تغطية الأخبار في الشرق الأوسط في تزايد. ما الذي يساهم في هذه النزعة برأيك؟ ما التغييرات التي لاحظتها في مهنتك؟

الغول:  لا أستطيع تقييم مساهمتي، سأقع في التواضع المبتذل أو الغرور الطافح. أعتقد أنّ أحداً غيري يستطيع ذلك. التغيير الأساسي هو أنّ الاحتراف الصحافيّ يأخذ طريقه لكتاباتي ولشخصيّتي، لكن أخشى أنّه حين يأتي الاحتراف، يصبح الإلهام فيه كثير من التصنّع حتى لو كان ذكيّاً. أشتاق أحياناً إلى الكتابة الحرّة ليس الصحافيّة بل الذاتيّة، وقد فعلت ذلك مرّات عدّة في "المونيتور"، خصوصاً خلال فترة الحرب على قطاع غزّة، إنّه يشبه التدوين الذاتيّ، ولكنّها تقارير صحافيّة فيها مقابلات ومعلومات. أحياناً آخذ وقتاً طويلاً كي أفهم موضوعاً صعباً وأكتب فيه وأتحّدى نفسي كي أكون أكثر احترافاً، ولكنّني أفكّر كم من الطاقة واللغة والقرّاء، أكتسب مقابل أن أتخلّى عن الكتابة التي أحبّ. قلت لكم: "لقد وقعت في الفخّ".

المونيتور:  ما هي اللحظة الأكثر انطباعاً في ذاكرتك (سواءً كانت جيدة أم سيئة) التي اختبرتها أثناء تغطيتك لحدث ما؟

الغول:  في الثاني من آب/أغسطس الماضي خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزّة، وصفت لي أمّ أحد الأطفال ما الذي كان يرتديه طفلها الذي يبلغ من العمر عاماً واحداَ، وكنت قد رأيته جثّة هامدة على أرضيّة إحدى الغرف في المستشفى الكويتيّ في مدينة رفح، وقد قتل على الفور بعد قصف إسرائيليّ لمنزلهم، ولم تكن الأمّ تعرف أنّه توفيّ، وكان الجميع يكذب عليها، فأمسكتني كأنّها تعرف أنّني لن أكذب، وسألتني بشهقات ودموع وهي ترجوني ألّا أكذب، فأجبتها من دون أن أفعل، وهنا انهارت الأمّ، كما انهار دوري كصحافيّة، وشعرت أنّني فعلت ما يتجاوز مهنيّتي، فقد تصرّفت كأمّ.

اليوم ذاته كان أفضل يوم أيضاً، لأنّني استطعت الاستجابة إلى عشرات الرسائل التي أبلغتني أنّ مدينة رفح خارج التغطية الإعلاميّة منذ الأوّل من آب/أغسطس، ويجب أن أذهب كوني في الأصل من تلك المدينة. كنت الصحافيّة الوحيدة التي انطلقت من مدينة غزّة إلى رفح، ومعي فريق الـ"نيويورك تايمز" المكوّن من ثلاثة صحافيّين والسائق الذي أعطاني سترته وخوذته الواقيتين من الرصاص. وكانت المرّة الوحيدة التي أرتديهما طوال تغطيتي للحرب. وقد فرضت إسرائيل يومها حصاراً على رفح، وقصفت كلّ السيّارات التي تدخل وتخرج من المدينة، لكنّنا نجحنا في الدخول والتغطية. وحين خرجنا، كنت أعرف أنّه لن يحدث لي شيء، فالأشرار لا يموتون، وقد كانت تناتبي طوال الوقت فكرة أنّني شريرة بعدما أبلغت الأمّ عن مقتل ابنها.

المونيتور:  ما هي النصيحة التي تسدينها إلى الشابات اللواتي يتطلعن إلى خوض غمار العمل في المجال الإعلامي؟

الغول:  أقول له: "لا تصدّق شيئاً ممّا قالوه لك وأنت طفل، وأنت في المدرسة وأنت في الجامعة. لا تجعلهم يلوّثون إحساسك بالعالم وحدسك الأوّل.. ابتعد عن الانطباعات والأفكار والنظرات المعلّبة... أبق حواسك طازجة".