متى ولماذا نوقظ التخلف والعنف؟
تاريخ النشر : 2015-03-21 11:56

بقلم - مصطفى السعيد

ليست المشكلة الأساسية في وجود تراث دموي أو خرافي، فدائما كان هذا التراث موجودا، وقد جاءت نهضة دولة محمد علي ولدينا هذا التراث، بل جرى الإعتماد خلاله على أزهريين تربوا على أشد فصول التراث تخلفا، وتم إرسال كثير منهم في بعثات إلى أوروبا، ليعودوا قادة لحركة التنوير والإصلاح.

كان لدينا هذا التراث في عهد الخديوي إسماعيل، الذي جعل من القاهرة عاصمة أوروبية الملامح، وكانت الإسكندرية مدينة أكثر عصرية من مدن أوروبية كثيرة.

وظلت شواطئنا حتى السبعينات ترتادها بنات تلبس المايوه البكيني بكل حرية، وكانت بنات الصعيد بدون حجاب، ويخرجن "متبرجات".

كانت إعلانات الخمور في الصحف والشوارع، والبيرة المصرية "ستيلا"، وأحد الإعلانات يصفها بمشروب "الأسرة السعيدة" وفيها المشروب مع أب وأم وطفل وطفلة.

مدخل نقابة الصحفيين القديم كان به عن بار كبير، وكذلك في المؤسسات الصحفية، ويمكن أن نلحظ في الأفلام القديمة أن كثيرا من بيوت الطبقة الوسطى كان بها بارات صغيرة، بل كانت معظم القرى بها بقالات، صاحبها عادة يوناني أو مسيحي يبيع الخمور.

وكانت معظم المقاهي والمطاعم مفتوحة كليا أو جزئيا في نهار رمضان حتى مطلع الثمانينات.

طوال هذه القرون الطويلة كان لدينا تراثا متخلفا، ومع ذلك لم يطفو بسرعة إلى السطح إلا في أواخر حكم السادات، ومع إنطلاق سياسة "الإنفتاح الإقتصادي" والصلح مع إسرائيل والتبعية للأمريكان.

وكان التوجه الساداتي الإنفتاحي يبدو أكثر تحررا عن سابقه الناصري، سواء فيما يتعلق بالديمقراطية "بدء إعادة إطلاق الأحزاب"، أو الحرية الإقتصادية، من خلال سياسة السوق، واستقبال الاستثمارات الأجنبية، وفتح باب الإستيراد بلا قيود، وغيرها من السياسات التي كان مقترضا أن ترسخ نظاما ليبراليا.

لكن ما حدث جاء بنتائج عكسية تماما، فمع توجهات التبعية الإقتصادية، وتدهور الإقتصاد الوطني، ونمو شريحة من الرأسمالية التجارية الفاسدة، وتدهور أوضاع الطبقات الدنيا، توفر مناخ سمح للجماعات الإسلامية التي أطلقها السادات أن تنشر أفكارها الأكثر تشددا وعنفا، وترسخ نفوذها بحاضنة شعبية في أكثر المناطق فقرا وجهلا ومرضا.

هكذا جاء الإنفتاح بجماعات الإنغلاق، والتعددية السياسية الشكلية قضت عليها جماعات تكفيرية استبدادية، وملاهي شارع الهرم التي انتعشت بفضل ثروات التجار الانفتاحيين الفاسدين كانت عرضة للحرق والنهب في مظاهرات عام 1977.

التراث دائما كان موجودا بتنويعاته، لكننا نمد أيدينا إليه لنأخذ منه ما يناسبنا، أو وفق ظروفنا، لنستخدمه في معارك الحاضر.

كان السادات بحاجة إلى مجموعات عنف تطارد اليسار في الجامعات وخارجها، فجاء بمن يحملون أشد الأفكار عنفا وظلامية، لتكفير اليسار، واستخدام القوة لمنع أنشطته، فكان له ما أراد، لكن سياساته الإقتصادية المدمرة خلقت حاضنة شعبية لفكر يكفر الدولة بكل سياساتها، ويقضي على الحريات العامة والخاصة.

وقريبا ظهرت دولة الإسلام في العراق والشام "داعش" من رحم تنظيم القاعدة، الذي جرى إنشاؤه ودعمه ليحارب الشيوعية في أفغانستان، ويشارك في الحرب الأمريكية على الإتحاد السوفييتي بدعم دول عربية، ويعود محاربو القاعدة من أفغانستان ومعهم فكرهم الأشد عنفا ودموية، وجرى استخدام هذه الجماعات التكفيرية المقاتلة في أكثر من مكان لتحقيق أهداف سياسية، وكانت النسخة الأخيرة منها هي "داعش" التي كان منوطا بها تدمير وتفكيك العراق وسوريا، ثم الزحف إلى لبنان، وبعدها تنظلق لمحاربة إيران، تحت شعارات مذهبية تكقر الشيعة، باعتبارهم العدو الأول للإسلام الوهابي، ولهذا كان ضروريا أن يعتنقوا أكثر الأفكار دموية وشراسة من أجل تحقيق الهدف.

من المؤكدأن جماعة داعش تنتقي من التراث ما يتناسب مع الهدف، أو تحرف بعضا منه ليبرر ما عليها أن ترتكبه من فظائع، وهذا يعني أن التراث الراقد يمكن إهماله وتركه في سباته أحيانا، وفي أحيان أخرى إيقاظه وشحذه لتحقيق مهام وغايات معينة.