تمام محسن*
ظاهرة "الإرهاب"، ظاهرة قديمة جدًا، والصراع بين الجنس البشري موجود منذ الأزل, وإن برزت بشكل واضح في العقود الأخيرة من القرن الحالي، وخضعت لتوظيف سياسي وإعلامي وعقائدي، من حيث ربطها بالدين الإسلامي.
ظهر مصطلح "الإرهاب بشكل واضح في وسائل الإعلام الغربية والعربية على حد سواء، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
فالتطور التكنولوجي الذي لحق بوسائل الإعلام، قد خدم بشكل كبير المجموعات "الإرهابية "، ولعل أبرز تلك الوسائل هي "الإعلام الجديد" أو "مواقع التواصل الاجتماعي", وذلك بسبب الحرية التي أتاحتها لنشر فيديوهات للعمليات "الإرهابية " أو نشر بيانات تلك الجماعات بسرعة البرق.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من يخدم الآخر؟ هل تخدم وسائل الإعلام "الإرهاب؟ أم يخدم الإرهاب الإعلام ؟
تبدو الإجابة صعبة لوهلة، ولكن الحقيقة أن كلاهما يخدم الآخر. لا ينكر عاقل أن وسائل الإعلام أيًا كان نمط ملكيتها، فإنها تخدم أجندة سياسية معينة، قد تلتقي أو تفترق مع الجماعات "الإرهابية".
أما، وإنْ كانت وسائل إعلام تجارية والتي تعتمد على الإثارة لجذب المشاهدين فـ"الإرهاب" يقدم لها خدمة بالمجان, فتعمد إلى الفيديوهات التي تبث قطع الرؤوس وحرق الجثث، فهي تزخر بالإثارة والتشويق المنشودّين.
فلا عجب أن يحقق خبر وفيديو حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة سابقة على موقع "العربية.نت" من حيث نسبة المشاهدات والقراءات التي فاقت المليونين ونصف- بحسب موقع العربية نت- كما حقق أرقامًا قياسية فينسب المشاهدة، سواء على يويتوب أو مواقع التواصل الاجتماعي !!!
الشق الثاني من التساؤل هو كيف يخدم الإعلام "الإرهاب" وخصوصًا الإعلام الجديد ؟
تدرك الجماعات "الإرهابية" أن حربها دعائية بالدرجة الأولى، وتعي جيدًا بأهمية الإعلام في نشر أفكارها المتطرفة، وطرحها أمام الرأي العام العالمي، للحصول على دعم وتأييد لقضيتهم، -ويمكن المقارنة هنا بتمدد تنظيم "داعش" والتزايد في عدد أنصاره-, إضافة إلى بث الذُعر في نفوس المدنيين.
وسط كل ذلك, تقف وسائل الإعلام حائرةً، أمام خيارَين: تغطية أخبار الإرهاب، وبث فيديوهات وتهديدات تلك الجماعات، أم تمتنع ؟!
إذا امتنعت عن التغطية سيبث غيرها من القنوات والمواقع الإلكترونية, أضف إلى ذلك، فإنها ستخلّ بحق جمهورها بالمعرفة، لذلك الأصوب هو: حصر تغطيتها الإخبارية في حدود ضيقة لتضيّع على"الإرهابيين" فرصة الاستفادة منها .
يقترح الأستاذ عبد الحليم حمود في كتابه- إعلام القاعدة- ص 43- مجموعة من المقترحات للتعامل مع أخبار "الإرهاب":
أولًا: تشجيع المؤسسات الإعلامية على ممارسة دورها في الترويج لثقافة الحوار، وإشاعة روح التسامح القائم على الاعتراف بالتعددية الثقافية.
ثانيًا: إيجاد خطة إعلامية عملية مشتركة، ومستمرة للتعامل مع ظاهرة الإرهاب, و أن لا يكون هذا التعامل في شكل ردود أفعال مؤقتة لأحداث "إرهابية" متفرقة.
ثالثًا: تناول الظاهرة في حجمها الحقيقي، دون تهويل أو تهوين, لإيجاد نوع من التوازن بين الاهتمام الإعلامي بـ"الإرهاب" وحجم مخاطره على المجتمع .
رابعًا : التحلي بقدر كبير من الدقة والموضوعية في التغطية الإخبارية للأعمال "الإرهابية", وهذا يعيدنا إلى جدَلية التي برزت إبان نشر فيديو حرق الكساسبة، هل الفيديو حقيقي أم عمل مونتاج عالي الجودة؟ فلو تريثت وسائل الإعلام قليلًا لكفّت المشاهد شرَّ الرُعب الذي سكن نفسه، وضيعت على "داعش" فرصته في ترويع المدنيين.
*صحفية من قطاع غزة
