بقلم - سحر مندور
أول المطلب في قضية الزميلة الغالية رولا أمين ليس إطلاق سراحها من السجن الأردنيّ فحسب، وإنما حماية حقّها بحضانة ابنتها دينا (5 أعوام). لم تدخل رولا السجن على غفلةٍ، أو لذنبٍ ارتكبته أو لم ترتكبه، وإنما دخولها السجن هو تجسيدٌ حسّي لمعنى ضمنيّ تعيشه رولا منذ اكثر من عام. هو تجسيدٌ لمُعاشٍ ضمن حربٍ لحماية ابنتها من أن تصبح موضوع انتقامٍ أو مساحةً لفرض سلطةٍ ذكورية تمكّنت هي من تحدّيها بالطلاق، فكانت الإبنة أداةً لاعادة تثبيتها. هذه ليست قصة دينا مع أمّها فحسب، هي قصّة كلّ ابنةٍ وابنٍ تعرّض والدهما لجرحٍ نرجسيّ، فانتقم من "المتطاولة" عبر الأحبّة الذين أنجبتهم. لأجله، يصبح "بيت الطاعة" عامّاً كسجن، واسعاً كوطن. إن الأمومة هي سلاح متاحٌ للرجل ضد المرأة العربية.
أول المطلب في قضية رولا هو تحقيق العدالة لها ولنا جميعاً، نحن الذين مهما بلغنا من المهنة مراتب، ومهما بذلنا من الجهد أعواماً، نجد أنفسنا في لحظةٍ مادةً قابلةً للرمي في السجن، رغم رضانا بسلوط المجحف من السبل القانونية، ورغم صدور قرارٍ قضائيّ في صالحنا، ورغم إثبات ما لا يحق لأحد بمساءلتنا حوله، كـ"حسن السلوك"، "عدم الزواج مجدداً"، "عدم السفر"، ... مهما حاولنا ومهما استوفينا من "الشروط"، فإن السبل كلها خاضعة لسلطة الذكر الذي يتأسس عليه حكم الرئيس، الملك، العشيرة، الله. مهما سعينا، يمكن لسعينا أن يُنفخ هباءً ساذجاً، بلا قرارٍ قضائي لحفظ ماء الوجه حتى. يُنفخُ، هكذا، بقوة رجلٍ يمتلك قوة كلّ الرجال وآلهتهم، في محاكم شرعية تصون قوة كلّ الرجال وآلهتهم، مهما تهوّرت في مغازلة "العدالة".
لمّا خرجت رولا بمعركتها من أجل حضانة ابنتها دينا إلى العلن، لم تكن تشركنا بشأنٍ خاص، وإنما كانت تقدّم إسماً لقضيّةٍ عامة "الخاص" فيها هو ما يمكن تسخيره لإسكاتها، إسكاتنا، وإرساء الظلم نتاجاً لأدوات العدالة الشرعية. إن الخروج بالقضية إلى الشأن العام هو فعل نضالٍ، لأن تسميتها بالشأن "الخاص" هي وسيلة قمعٍ، وأداة لإرغامنا جميعاً على عدم "الخروج" عن طاعة الرجل وعشيرته الاجتماعية والقضائية والأمنية. إن تسمية قضايا كالحضانة والعنف الأسري بـ"الشأن الخاص" هو إلغاء صريح لموقع المرأة كإنسان سياسيّ ذات حضور في الشأن العام، ذات دورٍ فيه، ذات حقوق، ذات مطلب. إخراس لها، ولنا. هذا ما تحدّته رولا بالخروج إلى العلن، وهو العلن الذي نجتمع فيه، هي وأنا وأنتن وأنتم جميعاً. العلن الذي نسعى يومياً لجعله أقل قسوةً وظلماً وتجبّراً.
العدالة لن تتحقق الآن في قضية رولا، حتى ولو خرجت من السجن، حتى ولو أعيدت دينا إليها. العدالة لا تزال بعيدة عن إمرأة سُرقت منها ابنتها، ثم سُرقت منها حريتها، ثم سًرقت منها أدواتها القانونية، وقال النظام لها عبرٍ رجلٍ وعبر الرجال الذين يقفون خلفه وحوله: أنتِ لا شيء.
أنتِ لا شيء، لا تمنحين الجنسية لابنك أو ابنتك في لبنان. أنتِ لا شيء، تُرمين عاريةً في غرف الأمن وشوارع العنف في مصر. أنت لا شيء، تُباعين وتُشترين في العراق. أنت لا شيء، في هذه البلاد التي حاربتي طويلاً لأجل حريتك فيها، ولأجل حريتها أيضاً. رولا هي إمرأةٌ صنعت لنفسها بجهدٍ كبير مسيرةً صحافية لا غبار عليها. رولا هي إمرأة كافحت طوال حياتها لكي تمتلك قرارها في حياتها. رولا هي كلّ إمرأةٍ منا يبلّغها المجتمع متى شاء بأنها، مهما بلغت من الإرادة مراتب، تُرمى في السجن لأن الرجل شاء ذلك. الرجل شاء ذلك، لا أكثر.. ببساطة رمي الهواء من الفم.
إن ما تقوم عليه قضية رولا هو لحظة وضوحٍ وتجلّي لمعنى "الأمومة" التي يحتفي بها المجتمع ومؤسساته، هذا الدور "المقدّس" و"النقيّ" الذي تم "منحه" للمرأة. هذا الدور ليس ملكها. لا يحقّ لها بامتلاك الأمومة، وإنما هي "تنعم" بها طالما منحها الرجل لها. هي تكليفٌ، هي وظيفةٌ توكل إليها، الأم ليست "ربّ العمل" في الأمومة. هي الأجيرة. أجيرةٌ يُحتفى بها وتُغزل لها الأشعار في "عيد الأم" طالما تخضع لسلطة ربّ العمل، وأجيرةٌ تُرمى في السجون على أبواب عيد الأم ذاته، لما تعصى ربّ العمل.
إن قضية رولا أمين هي قضية وجود المرأة في عالمٍ يستعبدها بالحرير وبالحديد. لا حقوق لنا في هذا المجتمع العربي، مهما تكحّلت عيوننا ومهما بلغنا من المهنة مراتب. لا حصانة لنا، حتى ولو امتلكنا الإعلام وقراراً قضائياً في صالحنا. لا حصانة لنا، لكننا ننتزع اجزاءها منذ الأزل وحتى الأبد. رولا تخوض مواجهتها باللحم الحيّ بأدواتٍ أتاحتها لها نضالات نساءٍ قبلها، وستكون كلّ واحدةٍ منا رولا بطريقتها لما يُرمى الظلم في وجهنا. هي أمٌّ تحارب لأجل حقها بامتلاك أمومتها، كالأمهات اللواتي حاربن لإخضاع قاتل بناتهن في البيت الزوجي للعقاب، كالنساء اللواتي أخرجن إلى علنِ مصرَ فحص العذرية، التحرّش، والاغتصاب. "الشأن الخاص" هو سجنٌ نحن نتحرّر منه يومياً، ويهددنا يومياً. قضايانا ليست مسائل عائلية، وإنما هي الشأن العام الذي يجسّد كامل القمع وكامل الظلم. كلّ قضايا الحريّة والتحرّر في بلادنا تبقى جزئية ومخادعة ولا تخلو من القمع، طالما تفاوض على السلطة الذكورية إن بالسخرية من النسوية أو بالتذاكي عليها.
أول المطلب هو الحريّة لرولا أمين طبعاً، لكن العدالة لا تكون بإطلاق سراحها. فسجنها هو تجسيدٌ لحالٍ تعيشه المرأة في مجتمعٍ ذكوريّ يجد في أيّ شيء وكلّ شيء أداةً صالحة للانتقام منها، لفرض السلطة عليها، لاعادتها إلى بيت الطاعة. الحرية لرولا، والعدالة لها في امتلاك أمومتها وحماية ابنتها. العدالة لرولا، وكلّ الحب لـ دينا التي – بشديد الأسف - بدأت منذ سنّ صغيرة جداً بتذوق طعم أن تكون إمرأة في هذا العالم العربي.
