حوار - سماح إبراهيم
في أول معارضه الخاصة بمصر، الذي سيقام بجاليري النيل بالزمالك تحت عنوان "عزف الانتظار"، يرسخ الفنان السوري سهيل بدور لتيمة الانتظار التى طالما أثارت مخيلته وحركت مكامن الإبداع لديه.
يقول سهيل بدور إن الانتظار هو الأرق الدائم، كلنا ننتظر حتى وإن كنا لا نعرف ماذا ننتظر. لذا يثيرني هذا الموضوع الذى أعمل عليه من خلال الموسيقى أو المرأة، أنتظر بهذا الانتظار قليلا من الدفء، حتى نستطيع أن ننتظر من جديد.
يضم المعرض 25 لوحه متنوعة الأحجام حيث يشير "بدور" إلى أن الحجم ليس له علاقة بالفكرة. مضيفاً: أنا ضد توحيد المقاسات بمعرض واحد بخاصة فى المعرض الشخصي، لابد من مراعاة أن بعض المقتنين لديهم الرغبة فى شراء أحجام صغيرة.
يعمل "بدور" بالألوان الساخنة إذ يؤكد أنه من هذا الشرق لذلك فألوانه دافئة، ويستخدم أكريلك على كانفس، حيث يرى أن الأكريليك هو البديل الأجمل كونه يعطى نتائج الزيت.
يعد "عزف الانتظار" المعرض الفردي رقم 35 فى مسيرة "بدور" الفنية والأول له بمصر، لكن سبقته مشاركات جماعية فى سمبوزيوم التصوير، وملتقى شرم الشيخ الدولي، ومهرجان البحر المتوسط بالإسكندرية.
تصدرت المرأة معرض "عزف الانتظار" إذ يؤكد "بدور" أن المرأة هى الملهم الأول للمبدع، ومنصة انطلاق الروح، ويمكن ترجمة أفكارنا فيها باعتبارها مساحة أوسع للمعنى من الرجل فى الحياة. ويضيف: لذلك المرأة عنصر أساسى لمشروعي في الانتظار.
لكن دائماً أجعلها عازفة تعزف لقتل الوقت. وهل سيأتي ما يأتي؟ لا أدري، ولكنى فنان وأعمل فى إطار المتخيل.
وفيما يتعلق بالمشهد السوري وانعكاسه على أعماله قال: أنا فنان لا أعمل فى السياسة، أنا موجوع على كل وطننا العربي، لقد أصبح هذا الوجع مزمناً ولست قادراً على ترجمته. لم أستطع هضم ما يحدث حتى الآن. ربما يحدث هذا في الفترة القادمة. رغم أنني قدمت جداريتين الأولى أطلقت عليها "الحرب والخراب" والأخرى "سوناتا وجع وطن".
وتابع: لكن أن أترجم ما يحدث فهذا أمر غاية في الصعوبة لأن عقلي لا يصدق أن تذبح الناس وتقتل بهذه الطريقة البشعة، الأمر ليس سهلا على الإطلاق.
وعن الاتجاه الفني الذى ينتمى إليه "بدور" أشار إلى اتجاهه للعمل على المدرسة التى تتراوح بين التعبيرية والتجريدية وشيء من السوريالية. لافتاً إلى أنه لا يؤمن بالتصنيفات التي لم تعد لها قيمة، على حد تعبيره.
ويؤكد: حرية الإنسان أُخذت لكى يعمل ما يشاء بشرط أن يكون صاحب تجربة فنية مرموقة ليقدم ما يحلو له.
ومن خلال إقامته في دبي يرى "بدور" حضور المشهد التشكيلى العربى. ويؤكد أن اللوحة العربية حاضرة جيدا فى كل المزادات. مضيفاً: لكن على الفنان العربى أن يقاتل أكثر ليصل أكثر.
ويستطرد: الآن هناك رغبة شديدة للفن الشكيلى العربي، دائماً الفنان يحيل الأمر إلى المؤسسات باعتبارها تظلمه فى حين أنه هو الذى يظلم نفسه أولا. وأقول دائماً إن الفرصة التى لا تأتى سأذهب إليها، لذلك لابد أن يعمل الفنان لكي تصل لوحته.
ويمتلك "بدور" طريقة خاصة عند العمل فى اللوحة إذ يقول: لا أستطيع الدخول للعمل على اللوحة وهى مسطح أبيض، أحضر أطفالا أحيانا يقومون بعمل خربشة أو يرسمون. وإذا رسمت عليها وهي مسطح أبيض أعاني الأمرين بدون مبالغة لأننى أشعر بأنها حيادية ليس لها معنى.
ويتابع: عندما يصير عليها شغب أستطيع العمل لأن الشغب هذا يحرضني. مضيفاً: الأفكار موجودة وأعرف مشروعي لأنى فنان محترف. ليس لدي شيء سري، وعندما أنجز اللوحة نهائياً لدي طقس معروف لدي من أعرض بقاعته، حيث أخبرهم بضرورة تسليم لوحات المعرض قبل العرض بعشرة أيام. ومن ثم أذهب دائماً للمعرض بنفسي بالجاليرى وأعيد النظر فى الأعمال وبكل بساطة أقوم أحياناً بهدم العمل والبدء به من جديد.
عمل "بدور" بالنحت والتصوير مؤكداً على صمود اللوحة والتمثال فى مواجهة فنون ما بعد الحداثة، وأن اللوحة ستبقى خالدة. أما الأنستاليشن أو الفن المفاهيمي عاجلاً أو آجلاً، فهذه النفايات على حد تعبيره ستسقط إلى مكان آخر أو ستوجد لها تسمية أخرى، بحد قوله.
ويرى أن هذه الأعمال لا تساعد على شرح أدبي أو فني ولا تتطلب كثيرا من الموهبة، مضيفاً: هناك كثير من العوامل دفعتني لعدم قبول هذا الفن رغم أني لا أعاديه، لكن لا أقبله كفن. يجب أن نطلق عليه مصطلحا آخر لأنه يرتبط بالذهنية أكثر.
ويستطرد: كنت أقوم بالتدريس بإحدى الجامعات بأمريكا وقال لي أحد الأساتذة عندما قمت بسؤاله عن السبب فى تدريس الأنستاليشن دون تعليم الطلاب شيئاً من أصول الفن فقال لي إن كل هذه الفنون الحديثة ظهرت لكى يقوموا بتشويه ذاكرة لها علاقة بحضارة أوروبا، لأن أمريكا لم تستطع إنجاب فنان مثل بيكاسو، ورودان وسلفادور دالي، وبالكاد لا نذكر سوى اسم أو اثنين من فناني أمريكا.
ويضيف: العمل الذي لا يحمل ذاكرة يموت سريعا، ومن ثم يؤكد "بدور" بأن كل أعماله "ذاكرة"، وكل فنان بصرف النظر عن أعماله أو قيمتها هو ذاكرة، ذاكرة زمان ومكان وبيئة. يسجل بشكل من الأشكال زمنه وعصره.
ويستطرد: هناك فنانون يحفظون الذاكرة ويستطيعون ترجمتها، وهناك من لا يستطيعون ترجمة هذه الذاكرة. وهناك من يقوم بتقديم الذاكرة بشكل مجاني، وبهذا المعنى أقول إن هناك فنانا صاحب تجربة حقيقية، وهناك فنان من المفترض أن يبذل جهدا حقيقيا.
عن "الاهرام" المصرية
