القدس في شعر صعلوكها: فوزي البكري
تاريخ النشر : 2015-03-15 09:51

هناك أسئلة عديدة يثيرها الدارس لصورة القدس في الأدب العربي، وكنت في كتابتي عن الشاعر المصري أمل دنقل أثرت سؤال الموقع/ الصورة ـ أي الكتابة عن القدس في أدبيات من أقاموا فيها أو زاروها، والكتابة عنها في أدبيات من لم يزوروها. وهذا سؤال قديم ـ جديد، يتجدد كلما قرأت نصّاً شعرياً أو قصصياً أو روائياً، وغالباً ما ألجأ إلى المقارنة والربط بين النصوص. هناك سؤال آخر مهم يثير نفسه أيضاً، حين يقرأ المرء أجناساً أدبية مختلفة أتى أصحابها على المدينة، وهو: في أي الأجناس الأدبية تحضر صورة القدس أكثر وأعمّ وأشمل؟ وليس هناك أدنى شك في أنها تحضر أكثر في النثر، في القصة القصيرة وفي الرواية، ومن قبل في أدب الرحلات أو في كتب السير الذاتية المتأخرة.
في الشعر قد تبرز للقدس صورة مكثفة وموجزة، ولا أعرف مطولة شعرية خصصت للقدس، فأظهرت عادات سكانها وتقاليدهم وأفراحهم وأتراحهم والعلاقات الاجتماعية بينهم، بل وأظهرت صوراً عديدة للأنا القومية أو الدينية وعلاقتها بمرايا الآخرين المختلفين قومياً ودنياً، بل وطائفياً. هذا تبرزه الروايات التي أخذت تكتب مؤخراً، مثل رواية عارف الحسيني «كافر سبت» ورواية ليلى الأطرش «ترانيم الغواية»، الروايات التي كتبها من يعرف المدينة وزارها وعاش فيها، وربما تعد رواية «كافر سبت» النموذج الأكثر إقناعاً حتى الآن. ولي، لاحقاً، عودة إلى هذا الموضوع، وقد درسه محمد الطحل في رسالة الماجستير «رواية القدس في القرن الحادي والعشرين» التي أجيزت في جامعة النجاح الوطنية.
هل أبرز الشعر العربي والفلسطيني للقدس صورة شاملة مقنعة؟ وهل كتبت مطولات تتمكن من إعطاء صورة واسعة متعددة الجوانب؟
للأسف فإن أكثر ما كتب عن القدس كان قصائد ومقطوعات قصيرة، لا تستوعب تلك الحياة العريضة في مدينة فيها من التنوع ما فيها، وفيها من الثراء ما فيها، مدينة يعجها السواح من جميع أنحاء العالم، ويختلط فيها الحابل بالنابل، مدينة تعددت أسماؤها وتعدد حكامها و.. و.. .
هكذا تذكر القدس في هذه القصائد: أماكن عبادة أو صورة شعرية جميلة لمكان مقدس، أو اقتباس من كتاب مقدس ورد ذكرها فيه. القدس من ذهب، والقدس زهرة المدائن، والقدس يوم المحشر ومكانه، وهي أخت مكة، وعاصمة الملك داود، وهي درب الآلام. و.. و.. لتنسني يميني إذا نسيتك يا أورشليم، أو يا قدس.
هل أبرز الشعر صورة للحياة الاجتماعية في المدينة؟ هل كتب عن صور الفتيات المقدسيات؟ وهل قارنهن بالسائحات الأوروبيات؟ وهل صوّر
علاقة مسلم بشابة مسيحية أو بسائحة أجنبية وهل أتى على حارات المدينة؟ وعلى إشكالات التعايش؟
ولو بحثنا عن إجابات للأسئلة المثارة في أشعار محمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب وأمل دنقل وعبد اللطيف عقل وأحمد دحبور وعز الدين المناصرة، فهل ستجدها؟
ربما لامس الموضوعات السابقة شعراء قليلون، وربما أتى هؤلاء على التنوع السكاني، والتقلبات السياسية التي تعرضت لها المدينة. ربما!! قد نجد بعض قصائد مثل قصيدة إسكندر الخوري البيتجالي، وبعض قصائد فوزي البكري، وقصيدة تميم البرغوثي في القدس، وأما بقية الشعراء فبالكاد نقرأ سطوراً أو أبياتاً تقارب تلك الأسئلة.
في كتابه «القدس في الأدب العربي الحديث، في فلسطين والأردن» أورد د.عبد الله الخباص مقطعاً للشاعر اسكندر الخوري البيتجالي أظهر صورة للحياة الاجتماعية في المدينة، وهو:
يتخطرن في الشوارع تيها بحلى من أساور وعقود
يتلفتن تارة بازدراء ويقهقهن تارة كالوليد
من بنات اليهود جئن إلينا من أوروبا بكل زي جديد (ص54).
ويصف إسكندر الخوري تأثير الفتيات الأوروبيات القادمات على فتيات القدس، ويحذر الأخيرات من تقليد القادمات.
في مقالي في دفاتر الأيام (8/3/2015) وعنوانه «أمل دنقل وجيل الألم: لم نر القدس» قلت: إذا أردنا أن نقرأ عن القدس فعلينا أن نعود إلى شعراء أبنائها وكتّاب القصة القصيرة فيها، وذكرت عنوان ديوان الشاعر فوزي البكري «صعلوك من القدس القديمة» (1982)، وفي هذا الديوان تقرأ عن القدس ما لا نقرؤه في أشعار شعراء كثيرين ممن فاقوا هذا الشاعر شهرة وانتشاراً، وربما هنا يثير المرء سؤالاً: لماذا؟ ولماذا لم تحقق أشعاره الشهرة التي حققتها أشعار غيره ممن لامسوا موضوع القدس ملامسة بسطر شعري أو بقصيدة أو بقصائد قليلة؟ أيعود الأمر إلى جماليات قصائده أم إلى طبيعة شخصية الشاعر؟ وقد يفكر المرء في الأمر، ولكني هنا معني بصورة القدس في قصائده.
فوزي البكري مواطن مقدسي، اختار أن يعيش صعلوكاً، وقد أعلن عن هذا جهراً، في عنوان ديوانه وفي مضمون قصائده. إنه ابن البلدة القديمة، ويقر بأنه صعلوك منها، وهو يختلف عن المربي اسحق موسى الحسيني، وحين كتب الأخير عن القدس بعض قصائد كتب كتابة مختلفة كلياً عن كتابة البكري. لقد كتب عن مكانة المدينة دينياً وعن علاقته بها روحيا، ولم يكتب عن صعاليكها وفقرائها وما يقوم به المحتل الإسرائيلي من أعمال تهويد، خلافاً للبكري الذي كتب عن هذه كلها. ومع أن البكري متأثر تأثراً واضحاً بمظفر النواب، أسلوباً ونمط حياة وإعلاناً عن مخالفة السائد، وافتخاراً بشرب الخمر، إلاّ أنه لم يكتفِ، وهو يكتب عن المدينة، بسطر واحد عنها، فلقد خصص لها قصائد عديدة.
في قصيدته «هل يسقط بيت المقدس؟» (ص20) يبين مكانة القدس، ويأتي على ما تقوم به الجهات المحتلة من حفر، ويخاطب الأمويين الذين بنوا الصخرة، كما يخاطب رموزاً عربية قديمة، ويذكر بأن ما يلم بالصخرة شبيه بما ألم بالكعبة زمن أبرهة الأشرم «للبيت رب يحميه»، ويخاطب الكعبة شارحاً ما يلم بشقيقتها القدس الثكلى، ويهجو الشاعر العربي المعاصرين الذين هوجموا في عقر دارهم ولم يحركوا ساكناً، ويصف حالة أهل القدس الذين يتألمون ويعانون من الفقر والجوع، ثم يدين العرب والمسلمين إن سقط بيت المقدس. (هنا نتذكر مظفر النواب).
ما ورد في القصيدة السابقة ربما لم يشذّ عما قرأناه في قصائد قيلت زمن الصليبيين/ الفرنجة، وفي قصائد لاحقة، ولا يختلف الأمر في قصيدة «على أطلال المدينة». لا تروق أحوال القدس للشاعر، وهو يبكي ويغضب، لكن غضبته خرساء، ثم يبين مكانة القدس: هي وحي بصدر الكون وهي ثدي الفضيلة، ولكن أمجادها الآن ذليلة، وهي: تعيش على أفيون التراث وتحتسي خمر البطولة، وتقتات على الجماجم، ولهذا يطلب الشاعر منها أن تحرق التاريخ.
القدس أخت المآسي وهي معفرة الجديلة، ولأنها تحت الاحتلال فإن العسل فيها يتحول إلى دمع وتغدو الأنسام عابسة ثقيلة، وتبتعد عن المدينة أسراب السنونو.
ما يختلف في أشعار البكري، وهو يكتب عن القدس، قصيدته في «الحي الحزين». هنا يكتب عن لجوئه إلى الخمر والطعام ويفصح عن سبب هذا: حتى يجلي الصدأ عن مخه، فالهموم الكثيرة في المدينة حاولت تصيده على الرغم من أنه ما زال شاباً، ولهذا أخذ، مثل أبي نواس، يداوي الهموم بالخمر، طارداً الأولى، فالخمر تكسر الأفخاخ التي حاولت صيده. ويأتي في القصيدة على من يلومونه على سلوكه بأنه بهذا سيهدم المدينة، ويرد عليهم، كما ردّ أبو نواس على النظام، قائلاً: إن من يهدم الحي الحزين ليس عربدة الشاعر ولجوؤه إلى الخمر، وإنما من سيهدمه هو الاحتلال الإسرائيلي: معاول المعراخ. (ص104)
لن يهدم الحي الحزين تطوحي وترنحي وتعربدي وصراخي
سيظل بنيان المدينة قائماً ما لم تنله معاول المعراخ.
وفي قصائد البكري نقرأ عن مقدسيين صعاليك، لا عن مقدسيين مقاومين فقط، و.. و.. و..