المر في حياة “أحلام”
تاريخ النشر : 2015-03-08 11:51

كل يوم في الصباح والمساء يجذبها صغيرها “حمود” من طرف كمها، ليلتحقا بإخوته اللذين التصقوا بالنافذة، يحادثون صوتًا بعيدًا، صوتًا يشق طريقه نحوهم من خلف الرتل الطويل للمنازل التي تتقدمهم، وينادون بما تمتلكه حناجرهم من قوة: “منال.. منال”.

“أسمع صوتها يا أمي، إنها تناديني وتقول أمجد!”، تبدأ “أحلام” بتهدئة صغارها الثلاثة، والتحدث بحنو إلى كبيرهم “أمجد” قائلة: “لا تبك يا حبيبي، ستعود لنا منال، لن يستطيعوا الاستمرار في تفريقنا عن بعضنا، والآن عليكم أن تتناولوا غذاءكم؛ فالامتناع عن الأكل، سيسبب لها الألم”.

هكذا يمر الوقت عليها وأطفالها الثلاثة “أمجد، وأسعد، ومحمود” في استذكار “منال”، طفلتها الرابعة، التي انتزعها أعمامها وجدتها من حضنها بحجة الخوف عليها وتوفير الأمان لها.

معاناة “أحلام”، وهي سيدة في عقدها الثالث من العمر، لم تبدأ من هنا فحسب، بل بدأت منذ الأيام الأولى لزواجها؛ حيث التدخلات الكثيرة في حياتها، والتي كانت وراءها حماتها، إضافة لمكائد كثيرة افتعلها المقربون من عائلة زوجها، لكن الأشد مرارة أن زوجها “نائل” كان يستمع لما تمليه عليه أمه، ليكون بذلك سيفًا مسلطًا عليها، لضربها لا لحمايتها.

كانت “أحلام” وأطفالها يتعرضان للسب والشتم والضرب أيضًا، عدا عن سرقة بعض أغراض منزلها أثناء غيابها عنه، حتى إن الورود التي كانت تتفنن في انتقائها وزراعتها حول باب بيتها، لم تكن تسلم من بطش أيديهم. وفي المرات القليلة التي استنجدت فيها بأهلها، لم تجد منهم نصيرًا لها، حتى والدها؛ فاضطرت إلى التأقلم مع وضعها والتحمل كرامة لأطفالها.

بمرور الأيام، بدأت الحقيقة تتكشف لـ “نائل”، وباتت مظلومية زوجته يقينًا لا شك فيه، فأصبح يقف إلى جانبها ويحاول قدر استطاعته رد كيد أهله عنها. قالت “أحلام”: “بدأت حياتنا تتغير للأفضل، وصار نائل يقف إلى جانبي، حتى إنه بدأ يهتم بي، ويجلب لي الهدايا في المناسبات الخاصة”.

سنوات قليلة نعمت فيها “أحلام” بحب واهتمام زوجها، حتى فقدته في العدوان الإسرائيلي على غزة (2008- 2009)؛ لتصبح بذلك أرملة، وحيدة في مواجهة الحياة، وما تخبئه لها من مفاجأت.

“بعد فقداني لنائل شعرت بالضعف، لم أستطع استيعاب رحيله وتركي وحيدة مع أطفالنا، لقد كنت أعتمد عليه بشكل كبير”، قالت “أحلام”، مبينة أن ما كان يراودها هو الشعور بالعجز عن إدارة المنزل والاعتناء بأربعة أيتام، ولم يخطر ببالها أن أهل زوجها سيكونون حملًا إضافيًا عليها.

فقد عادت تدخلاتهم في حياتها، تارًة يريدون التحكم في تقسيم راتب زوجها، واقتطاع جزء منه، علاوة على تدخلهم في بعض المساعدات التي كانت تحصل عليها باعتبارها زوجة شهيد، كما منعوها من أي محاولة إصلاح لمنزلها القديم الذي كانت تعيش فيه، والمسقوف بألواح “الزينكو” المهترئة.

تتابعت الأيام وكان أطفالها يكبرون، وتخطت ابنتها “منال” صفوف الابتدائية الأولى بنجاح باهر كما إخوتها أيضًا. قالت “أحلام”: “كانت مصاريف الأولاد تكبر معهم، ولخبرتي السابقة في مجال التطريز؛ فكرت في إنشاء مشروع صغير يساعدني في الإنفاق على أسرتي”.

اقترحت على أهل زوجها افتتاح محل صغير للخياطة والتطريز، فهنالك جمعية خيرية ستساعدها في إيجار المكان، بينما ستتكفل هي بجلب المعدات والمستلزمات. وبعد محاولات مستميته لإقناعهم وافقوا، حتى لا تضطر مستقبلًا لمد يدها إليهم طلبًا للمعونة.

ومع ذلك، لم يرقهم استقلالها وتوافد عدد لا بأس به من الزبائن على محلها، لكن رحى الأيام كانت تسير رغم ثقلها. وفي إحدى أيام الشتاء احتاج منزلها لأعمال صيانة في شبكة تصريف المياه وكل ما يتعلق بالسباكة، فطلبت من خالها (وهو مقرب منها) أن يساعدها في الحصول على عامل سباكة جيد ليعالج الأمر، وبالفعل أصبح يأتي خالها يوميًا مصطحبًا السباك حتى انتهاء عمله.

وذات صباح، حضر السباك باكرًا قبل خالها بدقائق معدودة، وطلب منها السماح بالدخول وتجهيز المعدات، أوضحت “أحلام”: “كنت في عجلة من أمري وأريد تسليم المنزل لخالي كي أذهب لعملي، فاتصلت به وأخبرني أنه في الطريق وسيصل حالًا”.

بينما هي تركت السباك يدخل، كما تركت أبواب المنزل مفتوحًة على مصراعيها، بحسب أحلام، وتابعت تحضير بعض الأطعمة الخفيفة في المطبخ، وقد كانت ترتدي كامل لباسها الذي تخرج فيه للعمل.

فجأة صُفقت أبواب المنزل بشكل عنيف، ودخل إخوة زوجها وبدؤوا بضرب الشاب، وعندما رأوها انهالوا عليها بالضرب هي الأخرى، وقذفها بأشنع الألفاظ، واتهموها بإقامة علاقة غير شرعية معه. قالت “أحلام” بصوت متهدج: “كانوا يضربونني بشدة على رأسي وقد رأيت الدماء تسيل من رأس الشاب أيضًا، حاولت الإفلات من قبضتهم والاستنجاد بالجيران، لكنهم سحبوني للداخل مجددًا، وتجمع الجيران، وأخذوا ينظرون لي باتهام”.

فقد أسرع أهل زوجها لاستدعاء الجيران وإخبارهم بروايتهم للحادثه، وهي: “أنهم ضبطوها في غرفة النوم مع السباك، لذلك لم يتحملوا الأمر وانهالوا عليهما بالضرب”، وقد صدق الجيران ذلك، قبل سماعهم للرواية من الطرف الآخر.

طُردت “أحلام” من منزلها وتم انتزاع أطفالها الأربعة منها. وإيغالًا في الظلم، أوقفت “منال” 12 عامًا عن مدرستها، كي تقوم على خدمة إخوتها، لكن “أمجد وأسعد ومحمود” لم يستطيعوا البقاء بعيدًا عن أمهم، فاضطروا للهروب من المدرسة إلى أمهم التي أقامت في منزل والدها على مضدد، فهو لا يفوت فرصة لسلب المال منها بحجة توقيف محام لها، كما يؤذيها بكلامه وشتائمه بمناسبة أو بغير مناسبة.

وبعد محاولات عديدة أجريت لإعادة الأولاد الهاربين من عند أمهم، يأس أعمامهم من إمكانية إبعادهم عنها؛ فتركوا لها الأولاد وتمسكوا بالفتاة التي حُكم عليها بالبقاء أسيرة في منزل عمها، كما منعوها من التواصل مع والدتها حتى ولو بالهاتف، وكأنَّ قلوبهم قُدَّت من حجر.

وانتقلت “أحلام” وأبناؤها للعيش في منزل صغير بالإيجار، للتخلص من سلاطَة لسان والدها، لكنها لم تحقق راحتها بذلك. فباستثناء ما تعرضت له من انتهاك لشرفها وطردها من منزلها وضياع أموالها في مشروعها الصغير، قالت بحسرة: “منال هي وجعي، وبالفعل استطاع أهل زوجي إحكام قبضتهم على اليد التي توجعني، منال أنثى صغيرة، لا يمكنني تركها وسط أعمامها وأولادهم فقد ينتقمون منها بأي طريقة”.

صمتت وقد أعياها المر الذي ذاقته في حياتها، بعدها أفصحت عن الفكرة البائسة التي تدور في عقلها، قائلة: “لو بقيَ الأمر على حاله واستمروا في منعي عن طفلتي، سيكون أهون عليّ أن أعيد إخوتها ليبقوا إلى جانبها، فبقاؤها وحدها وسط هؤلاء الوحوش أشد بأسًا ومرارة بالنسبة لي”.

ملحوظة: أحداث هذه القصة حقيقية، بينما الأسماء المذكورة فيها مستعارة