بقلم - يوسف ضمره
لسنا مضطرين دائما للتبرؤ من حماس كي نقول الحقيقة. فهذه إحدى صفات الخوف والخنوع. ولذلك ففي مثل هذه اللحظات من تاريخ شعبنا الفلسطيني، علينا أن نجابه الوقاحة بالمنطق والانتماء الوطني. فالمنطق يقول إن هذه التعبئة المصرية مجرد هدايا لكيان إسرائيل.
حماس منظمة إرهابية بقرار قضائي مصري؛ أي أن ما ينطبق على إرهابيي درنة شرق ليبيا ينطبق على حماس؛ أي أن الطيران المصري مرشح للتحليق فوق قطاع غزة، وقصفها، تماما كما فعل مع مناطق في ليبيا. صحيح أن حماس لم تذبح قبطيا مصريا واحدا، وصحيح أن حماس لم تفجر قنبلة واحدة في شارع مصري، وصحيح، وصحيح، إلا أن لمصر رأيا خاصا. أما لماذا؟ ولمصلحة من؟ فهذا ما لن تتساءل عنه الغالبية من الشعب المصري، بفضل بركات الإعلام المصري الرسمي وغير الرسمي؛ الإعلام الذي يستخدم"الحفاية" على شاشته، ويروج أقذع الشتائم بحق حماس والفلسطينيين. وهكذا، لم يكن غريبا أن تنادي طبيبة مصرية بضرورة قصف الفلسطينيين وإحراقهم.
لسنا مضطرين دائما للتبرؤ من حماس كي نقول الحقيقة. فهذه إحدى صفات الخوف والخنوع. ولذلك ففي مثل هذه اللحظات من تاريخ شعبنا الفلسطيني، علينا أن نجابه الوقاحة بالمنطق والانتماء الوطني. فالمنطق يقول إن هذه التعبئة المصرية مجرد هدايا لكيان إسرائيل.. أوراق اعتماد النظام المصري العسكري الجديد لواشنطن وتل أبيب. ولا ينبغي لموقفنا من الإخوان في سوريا مثلا، أن يعمينا عن الحقيقة، أو يشل ألسنتنا ليمنعها من المجاهرة برفض هذه الاتهامات البذيئة.
حين اغتال مجرمو داعش الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة، خرجت إلى العلن مقولات مثل" كلنا معاذ". وحين اغتال المجرمون أنفسهم شهداء مصر في ليبيا، وقفنا جميعا إلى جانب مصر ضد الإرهاب، وطالبنا بضرورة قطع يد الإرهاب ورجليه. وحين يتطاول أحد على حماس أو غيرها عسكريا، فسوف نقول بالفم الملآن" كلنا حماس" تماما كما وقفنا مع حماس في مواجهة الغطرسة الصهيونية. فالشعب الفلسطيني ليس "مكسر عصا" كما يقول إخوتنا اللبنانيون. وبعيدا من المزايدات الفارغة، فإن الحق يقال، وهو أن الشعب الفلسطيني قدم عشرات آلاف الشهداء، ولم يسكت يوما عن حقه في المقاومة منذ 68 عاما. صحيح أن حماس لم تكن السباقة للمقاومة، لكنها ساهمت كغيرها من الفلسطينيين بشكل فعال وجذري في مقاومة العدو، وقدمت التضحيات حفاظا على القضية الفلسطينية. هل نختلف مع حماس؟ ليس هنالك إجماع على أحد. حتى حزب الله في أوج انتصاراته وتحريره الأراضي اللبنانية، كان هنالك لبنانيون يتهمونه بالعمالة، وما بدّلوا تبديلا.
ليس المطلوب من الشعب الفلسطيني أن يظل يقدم شهادات حسن سلوك لهذا الطرف أو ذاك. وليس المطلوب من الشعب الفلسطيني أن يصمت لأن مصر تمسك بالمنفذ العربي الوحيد للفلسطينيين في غزة. من حق أي دولة عربية أن ترفض التعامل مع حماس، ومن حق أي فلسطيني أن يعارض حماس سياسيا ـ وأنا أولهم ـ لكن تصنيف حماس منظمة إرهابية، يعني اعتبار قطاع غزة حاضنة إرهابية، وتصنيف أهله كإرهابيين؛ فمن هم هؤلاء؟ إنهم أب المقاتل وأمه وإخوته وأخواته وزوجته وأبناؤه. وقد رأينا العدو الصهيوني كيف كان يقتل المدنيين في غزة، لأنه يعتبر كل فلسطيني مقاوما.
يستطيع السيسي أن يتبجح أمام الشعب المصري فيما يخص أحد مكونات الشعب المصري، وهنا يكون على الشعب المصري نفسه أن يعي الحقيقة ويقف معها. ولن نتدخل في هذا الشأن الداخلي المصري. ولكن السيسي لا يستطيع بأي حال من الأحوال اتهام الفلسطينيين المقاومين بالإرهاب. فالإرهاب رابض على حدود مصر، وقابع في أوراق كامب ديفيد وتاريخ بحر البقر. والإرهاب الذي ظهر علانية تمثل في دوس جنازير الدبابات الصهيونية لأسرى الجيش المصري. أما اختلاف حماس مع النظام المصري الجديد فهو من حق أي كان، لا من حق حماس وحدها، شريطة أن لا تتدخل حماس سياسيا أو أمنيا في مصر، وهو ما لم تفعله كما تؤكد المعلومات كلها. ويقينا لو أن حماس فعلت ذلك، لما ظلت مصر صامتة حتى الآن، ولكان الإعلام المصري تسابقت أطرافه في"فضح" حماس.
حسنا، ولا بأس؛ فليقدم السيسي أوراق اعتماده لمن يشاء، وكيفما شاء. ولكننا قطعا لن نقبل أن تكون تلك الأوراق، ممهورة بالدم الفلسطيني.
