كيف يشوّه الإعلام العربي الحقائق وينجح في إقناع المشاهدين بأكاذيبه؟
تاريخ النشر : 2015-02-26 18:52

بقلم - علي أديب

تنظر وسائل إعلام عربية عديدة لمهمتها كنظرة جرائد الإثارة التي تباع في أكشاك الصحف ليتسلى بها الذاهبون إلى أعمالهم في الصباح. فيض من الإشاعات والأخبار الكاذبة يتدفق في العقل العربي كل يوم فيحرف تفكيره ويضلل فهمه لما يحدث حوله وينتج رأياً عاماً مشوهاً يعيش في عالم من الأوهام.

حرية الإعلام تعني حرية الوصول إلى المعلومات، لا حرية الكذب والتضليل. ولكن، بفعل العولمة والطفرة الحديثة في وسائل نقل المعلومات، برزت في الفضاء العربي وسائل إعلامية كثيرة، تملأ عقول المشاهدين بكثير من المعلومات والتحليلات التي لا ترقى كلها بالضرورة إلى مرتبة الحقائق.

التضليل الإعلامي الذي تمارسه قنوات إعلامية عربية عديدة ينبع إما من غرض مسبق يتمثّل في ليّ عنق الحقائق لأهداف سياسية، أو من جهل العاملين في وسائل الإعلام وضعفهم المهني وافتقارهم لأبسط أدوات التحقق من المعلومات وتوقهم إلى كتابة سبق صحفي ولو كان على حساب الصدقية.

بشكل عام، تضرب المشهد الإعلامي العربي أمواج الفوضى من كل حدب وصوب. فلا ضوابط مهنية تحدد ما يقوله المعلقون، ولا منظمات إعلامية لمراقبة المعايير المهنية، ولا متابعة لما يظهر على الشاشات من اتهامات وتخوين وقراءات مغلوطة للأحداث. وفي كل هذا، فإن عقل المواطن العادي الذي لا يملك رفاهية تقصي الحقائق هو الهدف والضحية.

أنواع التضليل

ينقسم التضليل الاعلامي إلى نوعين أساسيين: معلومات خاطئة من الأساس، أو معلومات صحيحة تساق عنوة بعيداً عن المعنى خدمةً لغرض سياسي معين. في كلتا الحالتين يكون الضرر عميقاً وتكون فرص التصحيح محدودة النتائج لأن وقع الخطأ الأول أطول عمراً من أي تصحيح لاحق.

من الأمثلة على ما ذكرناه، ما حدث حين نشرت هيلاري كلنتون مذكراتها عن فترة عملها وزيرةً للخارجية في العام الماضي. فبعد فترة وجيزة، امتلأت صفحات الإنترنت بأقاويل منسوبة لكلينتون تزعم فيها أن الولايات المتحدة كانت قد اتفقت مع الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي على إعلان إمارة إسلامية في سيناء وأن الجيش المصري أحبط هذا المخطط في الثلاثين من يونيو 2013، بل تصدى لقطع من الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط حاول أن يعيد مرسي إلى الحكم.

النشر على الإنترنت ليس له ضوابط. كل من يريد أن ينشر إشاعة أو يلفق خبراَ لغرض ما، يمكنه أن يضعه على تويتر أو فيسبوك وسيجد من يقرأه ويساعده على تعميمه. ولكن هذا الفعل يجوز للهواة وعلى صفحاتهم الخاصة، أما أن تنزلق محطات إعلامية يفترض التزامها بالمعايير المهنية إلى ترداد كلام لا أساس له دون حتى أن يكلف المعد نفسه قراءة الكتاب أو جزء منه قبل أن يتفوه بشيء عنه، فهذا قمة التهاون والاستخفاف بالمهنة وبعقل المشاهد.

في أحد البرامج، قال الصحفي المصري محمد الغيطي أن سلاح الجو المصري، الروسي الصنع و"الذي طوره المصريون" فاجأ الأسطول الأمريكي. بل أضاف أن الجيش المصري أعد خططاً وأرسل جنوداً من البحرية لتلقين الأمريكيين درساً في عدم "التجاوز على مياهنا". الأغرب أن الغيطي أنهى ما قاله بطلبه من المشاهدين أن يقرأوا الكتاب، وهنا يكمن العبث الحقيقي بالرأي العام. فالغيطي يعرف أن الكتاب بالإنجليزية وأن سعره مرتفع وأن لا أحد تقريباً سيكلف نفسه عناء شراء وقراءة مئات الصفحات للتحقق مما قاله. والمؤكد هنا أن الغيطي نفسه لم يقرأ الكتاب، أو أنه قرأه واختار أن يلفق أحداثاً مثيرة تسعد مشاهديه في جلسة وطنية حميمية ترتفع فيها نبرة الصوت الصادحة بحب الوطن على نغمات أكاذيب لم تحدث.