بقلم - جواد البشيتي
"داعش" يتميَّز عن تنظيم "القاعدة" في كونه يدعو إلى إقامة "الدولة الإسلامية" أوَّلاً؛ وهذا ما يُلْزِمه السيطرة العسكرية على بعض الأرض، وبعض السكان، وتوسيع نطاق هذه السيطرة تدريجاً، وصولاً إلى استعادة "الإمبراطورية الإسلامية"، التي رسم حدودها إذ نشر بعض الخرائط لها.
تنظيم "داعش"، الذي لم يُنْتِج ، حتى الآن، مُنَظِّرين فكريين خاصِّين به، يتَّخِذ من ابن تيمية مرجعية فكرية عليا له، وتستبدُّ بتفكيره، شأنه في ذلك شأن سائر الجماعات الجهادية، فكرة "الطائفة المنصورة"، والتي تُتَرْجَم عملياً، على يديه، بتكفير كل من يقع في خارج حدوده الفكرية والتنظيمية، وبشرعنة الاقتتال الإسلامي من ثمَّ؛ فهذا التنظيم يُعامِل رفقاء الجهاد من "السلفيين" و"الإخوان"، وإذا ما أبدوا شيئاً من الانفتاح على خيار التطور الديمقراطي، على أنَّهم "مرتدُّون"، يجوز شرعاً قتالهم، إلى أنْ يدخلوا في طاعة الأمير، أيْ أبو بكر البغدادي؛ وهكذا، أو في هذه الطريقة، تغدو "الطائفة المنصورة" إمارة إسلامية، تغدو دولة خلافة.
وإنَّ من الأهمية بمكان أنْ نميِّز بين حقيقة الدولة الإسلامية، والتي عرفها التاريخ، وبين صورتها في أذهان قادة "داعش"، وفي مقدَّمهم زعيم التنظيم أبوبكر البغدادي، والذي نصَّب نفسه خليفة للمسلمين، طالباً مبايعته من كل مناطق العالم الإسلامي؛ فلا وجه للشبه بين دولة الإرهاب التي أسسها التنظيم في سورية والعراق، وبين دول الإسلام في العصور الوسطى، مثل الأندلس التي قدَّمت نموذجا للتسامح في الوقت الذي امتلأت أوروبا بصنوف الاضطهاد.
التناقض بين "الشكل الأيديولوجي" و"المضمون الواقعي (الموضوعي)" للدولة الإسلامية ودعاتها هو "تناقُض" يُلازِم، عادةً، كل حدث تاريخيٍ عظيم، فالبشر المنشغلون بخلق شيء جديد.. بخلق شيء لم يكن له من وجود من قبل، يبدون ميلاً قوياً إلى "استحضار أرواح الماضي"، وكأنَّ الحدث التاريخي الجديد، بمحتواه الواقعي، يحتاج إلى "شكلٍ" يَسْتَمِدُّ جمالاً من "الماضي"، أي مِمَّا مضى واندثر وأصبح أثراً بعد عين؛ ولكنَّ "ظلاله"، من فكر، ولغة، وأزياء، وشعارات، لم تَفْقِد بعد نفوذها في عقول وأفئدة الأحياء، صُنَّاع الحدث التاريخي، الذي يكتسي جديده، وهو "المحتوى"، بجمال وجلال وهيبة ووقار وقدسية "القديم"، و"القِدَم".
وعندما يُعْرَف "السبب"، أي عندما يُفسَّر هذا التناقض، يبطل "العجب"، فالبشر لا يستحضرون الماضي، أو أرواح الماضي، إلاَّ خدمةً لمقاصِد وأهداف الحاضر، أي خدمةً لمقاصدهم وأهدافهم.
ومن أجل ذلك فحسب، نراهم يستعيرون من الماضي الأسماء، والشعارات القتالية، واللغة، والأزياء، فيبدأون العمل، أي عملهم التاريخي، وكأنَّهم يمثِّلون مسرحية على مسرح التاريخ، فهذا القائد الجديد نراه يرتدي رداء ذلك القائد القديم؛ وهذا الحدث الجديد نراه يلبس لبوس ذلك الحدث القديم، فيجتمع في العمل التاريخي الكبير "الخلق" و"التمثيل".
إنَّ كَسْو "محتوى" الحدث التاريخي الجديد، أو الذي قَيْد الصُنْع، بجمال وجلال وهيبة ووقار وقدسية "القديم" هو عملٌ، لا يخلو، على أهميته وضرورته الواقعيتين، من الوهم والخداع؛ وها نحن نرى أبو بكر البغدادي يعتلي المنبر في أحد جوامع الموصل في طريقة تمثيلية، شملت حتى لحيته وعمامته وعباءته. حتى الأقوال والشعارات في خطبته كانت مقتبسة من خطبة للخليفة أبو بكر الصديق. لكن كل هذا "التمثيل التاريخي"، وكل تلك الاستعارات في الأزياء والأقوال والشعارات وفي لغة الجسد، لا يمكنه أبداً طمس حقيقة أنَّ المحتوى، أو المضمون، الواقعي للشخص وتنظيمه ودولته لا يمت بأدنى صلة إلى ذاك الواقع التاريخي القديم الذي فيه قامت دولة الخلافة الإسلامية.
ومع ذلك، نقول إنَّ "داعش"، فكراً وممارَسةً، هو "الابن الشرعي" لنا؛ لتاريخنا، ومجتمعنا، وثقافتنا.
