عن طبقة وسطى لم تنجز ثورتها
تاريخ النشر : 2015-02-15 15:13

بقلم - باسم زكريا السمرجي

التقيتُ، الأسبوع الماضي، باحثة فرنسية تعمل على دراسة تحولات المجال العام في وسط القاهرة بعد 2011. أثبت لي موضوع الدراسة ونطاقها أن الأكاديميا الغربية ما زالت محملة بتأثيرات الكولونيالية في دراستها للمنطقة. فهم، في نظرتهم لما حدث في المنطقة خلال السنوات الأربع الماضية، إما مقيدون في إطار تجربة ميدان التحرير منفصلةً عن السياق الأشمل والصورة الأكبر لتبدو نسخاً من ثورات أوروبا الملونة، وإما يدينون أي تحرك شعبي في المنطقة لأنه بالضرورة سينتج إرهاباً. على أية حال، لم يكن ذلك كشفاً جديداً. فهو أمر ظاهر في غالبية الكتابات الأكاديمية الغربية عن مصر ما بعد 2011. لكن ما أثار شجوني، هو أن الباحثة عرضت أمامي صوراً للأسوار التي أحاطت بها وزارة الداخلية نفسها، وسألتني عن انطباعي..

بالتأكيد، لم تكن تلك الأسوار فقط لحماية الداخلية من هجوم للثوار لانهم لم يشكلوا في حقيقة الأمر تهديداً حقيقياً لمبنى وزارة الداخلية. بل كانت الأسوار لترسيخ وجود السلطة في الشارع ولترسيم حدود هزيمة الثورة على الأرض كواقع ملموس. ازداد غضبي حينما شاهدت صورة الغرافيتي على أحد الجدران، والتي يبدو وكأنها تضيف بُعداً ثالثاً للجدار ينفذ منه الشارع. استفزتني تلك الصورة، فهي تمثل تجلياً واضحاً لجانب من عقلية الثورة كان من أسباب هزيمتها داخلياً. إنه الجانب الذي جعل الوجه الاستعراضي للثورة أولوية، وصرف النظر عن الثورة بوصفها مشروعاً سياسياً.

حينما أعيد قراءة الثورة، لا يمكن أن أُرجع أسباب الهزيمة التي نعيشها الآن، إلى الثورة المضادة بجناحيها – الإخوان والدولة. فدور أعداء الثورة هو محاربتها، ولا أحد يُلام على القيام بدوره. بل إن اللوم يقع على الثوار الذين انسحبوا من ساحات المواجهة الحقيقية وحصروا أنفسهم في ساحات للمواجهة المتخيلة، ما خلّف الفراغ الذي هزم الثورة.

عبّر عن ذلك الفراغ مواطن في مترو الأنفاق، أوائل العام 2012. كان يقرأ أخباراً عن الاحتجاجات المطلبية، التي تواطأ الكثيرون حينها على تسميتها بـ"المطالب الفئوية". وبينما يقرأ، انفعل، وأطلق تعليقاً في الهواء: "بدلاً من أن ينشغل الثوار بحقوق الشهداء وأصدقائهم الذين ماتوا، فلينظروا إلى الأحياء الذين يجاهدون كي يعيشوا".

عقد الناس الآمال على الثورة والثوار، لتحسين حياتهم المُعاشة، ولتتحول الثورة من شعارات عن العدالة والحرية والكرامة إلى مشروع سياسي حقيقي يسعى إلى تفعيل تلك الشعارات في واقع مادي مُعاش، مرتبط بحياة الناس، وهو ما لم يحدث، إذ انصرف "الثوار" إلى معارك ملحمية تقف فيها الصدور العارية في مواجهة الرصاص. تلك المعارك الجديرة بالتخليد على جدران وسط البلد، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لا تؤثر في حياة الناس العاديين المفترض أن يكونوا جمهور الثورة.

لم تكن قوى الثورة المضادة بحاجة إلى ملء ذلك الفراغ بأي مشاريع اقتصادية واجتماعية. ففي حقيقة الأمر، قوى الثورة المضادة لا كفاءة لديها تمكنها من إنجاز أي مشروع من أي نوع. بل كان ذلك الفراغ، وما خلّفه من إحباط، كافياً لإتمام المهمة، بانفضاض الناس عن الثورة، وهو ما رُصدت أولى إرهاصاته في اعتصام يوليو، والذي حول الثورة من ملايين الناس في الشوارع، إلى اعتصام في ميدان التحرير، يسعى إلى كسب تأييد الناس. وعندما يفشل في ذلك، يتم فض الاعتصام من دون أن تقوم "الملايين" لنصرته. تحول ذلك الانفضاض من مجرد فتور وعدم اكتراث، إلى معاداة للثورة، تجلت في نزول الملايين إلى الشارع في 30 يونيو 2013 للاستنجاد بالدولة، ممثلةً في المؤسسة العسكرية في مواجهة الإخوان المسلمين، ليستمر الانفصال، ويتكرس العداء بين جمهور الناس والثورة حتى تحول كل ما له علاقة بالثورة أو الثوار إلى أمر مستهجن لدى الجمهور.

الانفصال بين النخب والجماهير في مصر أمر أصيل في تشكيل الدولة والمجتمع المصري، منذ أن استبدل محمد علي باشا – إبان تأسيسه للدولة المصرية الحديثة – النخب المجتمعية بنخب التكنوقراط، المُشكّلة من الوفود والبعثات للدراسة في الخارج. كان أثر ذلك الانفصال أن جرّمت النخب كل الأفعال الجماهيرية التي كانت تخرج عن نطاق النخب أو أن تنكر وجودها. كان ذلك الحال في حريق القاهرة، الذي ما زال يبحث عن "عقل" مدبر، لأن النخب ترفض أن تعترف أنه كان حادثاً عشوائياً جماهيرياً. وكان ذلك الحال أيضاً في تظاهرات 1977، والتي دان اليسار الرسمي فيها، العنف، وتبرأ منه. كانت 2011 فرصة لرأب ذلك الصدع، ومدّ الجسر بين النخب والجمهور. غير أن تلك الفرصة أُهدرت حينما انشغل ثوار الطبقة الوسطى بالاحتفاء بتجربة التحرر الفردي، الاستعراضية، عن مخاطبة الجمهور، وعن إنجاز الثورة كمشروع سياسي للتحرر الجماعي.

لم يغير الرسم على الجدران شيئاً من الواقع. فلا جدار القصر العيني كان يبتسم لنا، ولا أضاف الغرافيتي لشارع الشيخ ريحان بُعداً ثالثاً. بل ظلت الجدران، وظلت السلطة، وظلت أجواء الهزيمة هي الواقع الملموس على الأرض.

عن موقع "المدن" الالكتروني