رام الله- خاص نوى- ميساء بشارات
تحيك سعدية عجاج (48 عاما) من قرية دير جرير بمحافظة رام الله والبيرة بأناملها خيوط الحرير وتطرزها بطريقة مبتكرة وعصرية على قطع مختلفة من القماش، لتحافظ على ديمومة الثوب التراثي الفلسطيني.
تبدع سعدية في ابتكار الطرق الحديثة لتحافظ عليه وتجعله محببا ومرغوبا من قبل الشابات، وذلك بالدمج بين الثوب الفلسطيني القديم والفساتين الحديثة، لتخرج قطعة ابداعية ممزوجة بين عراقة الماضي وأصالة الحاضر، ترتديها النساء في مختلف المناسبات.
جاءت فكرة عجاج عندما شعرت بأن إرتداء الثوب الفلسطيني أصبح مقتصرا على كبيرات السن، في ظل عزوف الشابات عن ارتداءه، وتعرضه للسرقة من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
داخل محلها في مدينة رام الله، وخلف ماكنة الخياطة وبين قطع الأقمشة تقضي عجاج جل وقتها لتخرج بفساتين ذات تصميمات تراثية حديثة تناسب الأفراح والمناسبات الخاصة.
تعمل عجاج منذ خمسة عشر عاما على تنفيذ فكرتها، ومن عملها استطاعت أن تؤمن مصدر دخل لـ 17 إمراة غيرها، يعملن إلى جانبها في تطريز الفساتين التراثية الحديثة، وويساعدنها في اعمال التطريز والحياكة، تقول: "إن التطريز جزء مهم في حياتنا، ووسيلة للحفاظ على التراث الفلسطيني من الاندثار والتهويد".
تضيف:" يجب المحافظة على هذا الموروث التقليدي، والاعتزاز به والعمل بكل جهدنا وطاقتنا من أجل الحفاظ عليه، فهو رمز الهوية ودليل الجذور".
وتتابع: "الثوب الفلسطيني يحمل تراث فلسطين وهويّتها، والحفاظ عليه من الاندثار والسرقة يعتبر مهمة وطنية وأخلاقية".
لاقت تصاميم عجاج التراثية الحديثة رواجا كبيرا من قبل النساء، وأصبحن يقدمهن عليها من مختلف أنحاء الضفة.
تحيك عجاج فساتينها ذات التصاميم الكثيرة المميزة، التي تستوحيها من الطبيعة وتطلق أسماء على بعض الفساتين التي تقوم بصناعتها، مثل:" شامية وعروس البحر، وزهرة الحنون، وزهرة لوتس، وفرعونية، زهرة الحنون".
تقول عجاج:" اصنع لكل فتاة فستانا تراثيا يناسب شكلها وشخصيتها، والمناسبة التي تريد ارتداءه بها، وأستوحي الوان الفستان ورسوماته وتطريزاته من الطبيعة المحيطة، وكل فستان له قصة مختلفة".
يستغرق صنع الثوب الواحد أسابيعا من الحياكة والرسم والتصميم والتطريز، وتدخل فيه لمسات فنية حديثة مدموجة بزخارف قديمة، وبعض الفساتين تستغرق وقتا اطول، وذلك يعود لحسب التطريز. وتشير عجاج إلى أن التطريز ليس مهمة سهلة، بل هو مهمة تحتاج الى الدقة والصبر والذوق.
تتفاوت أسعار الفساتين التي تحيكها عجاج، كل حسب القماش المختار والتصميم والرسومات والاضافات التي تضعها على الفستان.
تنوه عجاج، الى ان كل منطقة في فلسطين يختلف تصميم ثوبها التراثي عن المنطقة الاخرى، كما يمكن تمييز المنطقة حسب نوع التطريز على الثوب التراثي.
تعلمت عجاج التطريز منذ صغرها، وصقلت هذه الموهبة عندما كبرت من خلال مجالستها للنساء اللواتي كن يقمن بالتطريز، مما قوى موهبتها وساعدها في خلق تصاميم جديدة.
عندما رأيت أن الثوب الفلسطيني المطرز بدأ ينحصر ارتداؤه على السيدات الكبار في العمر، ويتلاشى ليحل مكانه كل التصاميم الحديثة، فكرت ان ادمجه بالفساتين المعاصرة لنحافظ على التطريز. بدأت بأخذ التطريز القديم وتجديده بطريقة عصرية تلاءم الصبايا وتجذبهن لارتدائه، من اجل أن أحافظ على توارثه.
تقول نجاح زايد من بيت اكسا، وهي إحدى زبائن سعدية: "إن ما يميز سعدية دمجها للثوب التراثي مع الحديث، وتصاميمها الراقية الإبداعية".
وتضيف: "في كل مرة افصل فستان عند سعدية يسألنني النسوة من اين هو، ويبدين إعجابهن الكبير فيه، لأنه دائما مختلفا ومميزا عما هو موجود في السوق".
ولأن سعدية تؤمن بمقولة "من ليس له ماضي ليس له حاضر"، لذلك تطمح عجاج بافتتاح دار أزياء، خاصة في إنتاج الأثواب التراثية القديمة بطراز حديث.
وأن ينافس الثوب التراثي الفلسطيني في اكبر دور الأزياء العالمية، لما يحمله من معاني وطنية وتراثية وهوية وجذور.
يعتبر الزي الشعبي الفلسطيني جزءاً من الزي الشعبي لبلاد الشام، وتختلف كل منطقة بطريقة تطريزها والوانها للثوب الفلسطيني، الذي يشكل نتاج حضاري عبر آلاف السنين.
في السنوات الأخيرة، أدخلت تعديلات كثيرة على التطريز الفلسطيني، وتم صنع مئات القطع الحديثة المطرزة لتناسب مختلف الأذواق.
