الأردن- نوى:
لسنا مقيدون بتلك الحكايات التي نراها أمام شاشات التلفاز أو عبر المواقع الالكترونية، وﻻ اختزال دورنا كمتلقين؛ فالموهبة كفيلة أن تنقلنا من ذاك الحيز إلى المبتكر للحكاية والصورة، التصوير الفوتغرافي فناً إبداعياً لا يتقنه سوى أولئك الذين بُشروا بلمسات مشرقة، فكيف وإن كانت صاحبة الموهبة فلسطينية تعيش في الأردن حالياً؛ توصل بصورها رسالة شعبها للعالم مفادها أن على هذه الأرض من يستحق الحياة، تنقل حضارة بلدها وثقافاته وجمال جغرافيته، وطاقات شبابه الذين لم ينجح الاحتلال بمحاصرة أحلامهم.
آلاء حمدان مصورة فلسطينية ولدت في القدس وترعرعت بساحات المسجد الأقصى والحارات القديمة، عاشت هناك معظم حياتها فتنقلت بعدها بين الأردن وأسبانيا لإكمال التعليم، عشقت جمال أسبانيا فوُلد شغفها بالتصوير وتعلم اللغات، وبدأت رحلة البحث عن الذات.
شابة لم تتجاوز الـ 25 من عمرها قادها حسها المتّقد لمهنة التصوير الفوتغرافي، شاركت بأكثر من ١٠ معارض، فازت في ٥ مسابقات تصوير متنوعة المراتب، أهمها معرضاً في مدينة بيرزيت وآخر في نيويورك.
من غرناطة
مشوارها مع التصوير تحدثنا عنه فتقول :"بدأت من غرناطة في اسبانيا التي قصدتها لمتابعة دراسة تخصص اللغات عام 2010، إلا أن المناظر الطبيعية الساحرة دفعتني لشراء كاميرا من نوع كوداك بمبلغ 40 $ استطيع من خلالها ممارسة هوايتي ونقل جمال الأرض للعالم".
تضيف: "لاقت صوري ردود فعل ايجابية عبر صفحتي على الفيس بوك، ما زادني عزماً على احتراف التصوير، وعملت على شراء كاميرا احترافية من مدخراتي الشخصية لأوصل للناس الصور التي ترغبها بدقة عالية وجمالية أكبر".
ترفض آلاء تحديد موهبتها في إطار أي مدرسة للتصوير سواء الكلاسيكية أم الحديثة، لكنها تتعلم قواعد كل منها لتصنع لنفسها صبغة تصويرية خاصة، كما تحرص في صورها على نقل قيمة جمالية أو إخبارية، أو سر من أسرار المكان.
شاركت آلاء في عدد من المعارض الدولية والمحلية حصدت خلالها سنة جوائز، دارت محاورها حول الرّبيع ويوم الأم ويوم المرأة ومعرض “٣١ مصوّراً في الأردن”، ومعرض في مدينة نيويورك بعنوان Art meets Times Square ومعرض “في عيونهنّ” في مدينة بيرزيت في فلسطين.
منحت آلاء شهادات تدريبية في التعامل مع برنامج Adobe Photoshop، وشهادة “تصوير الأفلام” من مركز أكاديمية نيويورك للأفلام من ايطاليا، وشهادة في “التصوير السينمائي”، تسمي كاميرتها “Alma” أي الروح باللغة الإسبانية، وحاسوبها الشخصي “corazón” أي القلب، وبين ما تلتقطه الروح وينتجه القلب تجمد آلاء بعدساتها لقطات ومشاهد تصويرية تروي قصصاً متنوعة.
طقوس أﻻء كمصورة محترفة تبدو جلية في أنحاء غرفتها التي "لم يتح لها القدر فرصة ترتيبها"، كما تشكو آلاء، فهي تعج بالصور الفوتغرافية، ومعدات الكاميرا، والإطارات الخشبية، ومصنفات الأوراق المتعلقة بالتصوير، والكتب والمراجع للمصورين العالميين.
ترى آلاء نفسها من خلال صورتين، أولهما التقطتها من مشارف جبل الزيتون في فلسطين لقبة الصخرة بعد معاناة مع المحتل الإسرائيلي انتهت بالحصول على تصريح للزيارة، وثانيهما صورة بوابة مبنى قديم وسط ايطاليا.
فلا تكتفي ضيفتنا بحمل الكاميرا، بل انخراطت في المجتمع المحلي مع الفرق التطوعية من خلال زيارات بيوت العجزة ودور الأيتام وتفقد خيام اللاجئين، وكان يطلب منها دائماً تصوير الزيارات وتوزيع الطرود الخيرية مما ساهم في انتقالها كلياً الى التصوير الذي بدأت تعتاش منه بعد عام ونصف.
واجهت حمدان في بداياتها ضغوطاً ومعيقات مجتمعية، في وقت كان يستهجن فيه فكرة “فتاة تحمل كاميرا”، وحتى بعد انتشار ثقافة التصوير ظلت تشعر بأن المجتمع يقلل من شأن المرأة ويربطها بالمطبخ والأعمال المنزلية، كما أن المجتمع يفاضل بين الشاب على حساب الفتاة التي “مآلها لبيت زوجها” كما ترامى لمسامع آلاء مراراً.
نحو السينما
فمحاولات إرضاء المجتمع جعلتها تخفف من جلسات التصوير أو تحجم عن نشر عدد كبير من الصور الجميلة، معلّقة على ذلك :"المجتمع الذي يحبطك في البداية هو ذاته الذي يرفعك ويدعمك بعد أن تفرض نفسك بجدارة وتصنع اسمك في قطاع عملك الخاص، كما لم تسلم آلاء من عبارات التحرش المختلفة، لكن جدية الفتاة وحزمها في التعامل مع هذه المواقف يجعلها تتلاشى تدريجياً، الآن وبعد وعي فردي معزز بثقة الأهل تندم على أنها استجابت يوماً لهذه الضغوط.
وبين ضغوط العمل وطول جلسات التصوير تخطف آلاء لنفسها ساعة أو ساعتين تشارك فيها أفراد الأسرة جلساتها العائلية الحميمة، كما تحرص على تناول فطور يوم الجمعة بحضور والدها المهندس المعماري، وتخصص عطلة يوم السبت لنفسها فقط.
بحجابها وجنسيتها تألقت في ميادين العمل السينمائي، فشاركت في تصوير أفلام أجنبية، وحصلت على أفضل مدونة في نيويورك تؤرخ بعدستها حالة المارة في شوارع العالم بشكل يعكس ثقافتهم وتنقل مناسباتهم ليشاركهم العالم بذلك وكأنه وطن واحد، وترجمتها بلغات عدة.
ترفض حمدان اعتبار الحجاب عائق أمام ابداعها فتقول :"الحجاب ليس عائقاً إلا أمام الناس التي تحكم على المظاهر الخارجية ويستفزها الحجاب، أما الناس المنفتحة ذات العقلية الواعية يهمها الشخصية والإنجاز والأعمال أكتر، فالحجاب جزء من شخصيتي كونتها مع الإعلام ومع التصوير ومع الإخراج ومع كلّ تفاصيل الحياة".
بالنسبة لتصوير الأفلام الأجنبية تخبرنا حمدان :"أحاول خلال سفري أن تكون مدوّنتي فيلم قصير عنها يلخص تجربتي لأنقل جمال المكان وروحه للناس التي لم تزره، وأحياناً أحب المشاركة بصناعة أفلام أجنبية حتى أضفي عليها لمسة من العروبة أو الدّين أو الثّقافة".
وتختم آلاء حوارها بتلخيص الرسالة التي تحملها :"رسالتي أن نتذكر كم هي مهمة وسائل الإعلام لايصال رسائلنا، وأن الحرب أصبحت إعلامية وعلينا إتقان استخدامها كأسلحة للدفاع ..وأيضا وسائل للنّشر، وأننا وإن لم يكن بيدنا أن ندعم القضية بوجودنا في فلسطين فنستطيع القيام بذلك من خلال اﻻعلام".
