تل الزعتر .. كأني كنت هناك اليوم
تاريخ النشر : 2015-02-09 07:16

بقلم – ميساء الخطيب

عزيزي العالم، اسمي ميساء الخطيب، أناسيدة فلسطينية، أعشق المخيم، وأعشق أني فلسطينية ولدت وعاشت في مخيم.. فما بالكم إذا كان هذا المخيم هو مخيم تل الزعتر بالتحديد؟! هكذا ولدت، وهكذا عشت.وها أنا أعود إلى جزء من وطن أحمل معي كل ذكريات هذا المخيم الذي أعشق، وأحمل معي نزيف ذكريات مجزرة كانت من أبشع المجازر التي عرفها التاريخ، وأحمل في روحي الندوب التي تركتها هذه المجزرة قبل أن تتركها على جسدي. ذكريات حصار المخيم لاتكاد تحصر، فيها الكثير من الألم الذي لا يستطيع احتماله بشر، وفيها أيضا الكثير من الفخر من قبل فلسطينيين لاجئين تحلوا بكل الشجاعة للدفاع عن هوية وطنية نعتزجميعا بها يلخصها المخيم، وهنا سأحاول تكثيف الألم في سطور، فلا مقالة واحدة، أوعشرات المقالات، تتسع لفيض التفاصيل.

تغميس العدس.. بالعدس!

كان القصف والحصار يشتدان مع كل يوم، كما كان يشتد على الأهالي العطش والجوع، فلم يتبق في البيوت ما يؤكل، وتعالى صراخ الأطفال الجياع، لذلك خاطر المقاتلون في إحدى الليالي بتنفيذ عملية فدائية بالمعنى الكامل ليقتحموا مخزنا على أحد أطراف المخيم لتخزين العدس، ووزعوا أكياس العدس بالتساوي على الأهالي، مرت أسابيع طويلة ونحن نتناول كل ما لا يخطر بالبال من وجبات العدس؛ الأمهات جرشته وعجنته وخبزته على شكل أقراص على "الصاجات"، كنا نغمس"خبز العدس" بالعدس المطبوخ، حتى نفذت آخر قطرات الماء من البيوت، وما عاد ممكنا طبخ العدس، فاقتصر الطعام على أقراص العدس المشوية على "الصاج".

ماء بنكهة الجثث والدم

أسوأ ما عاناه المخيم كان العطش، بعد استيلاء، أو سيطرة، القوات الانعزالية الفاشية على كل مصدر مياه في المخيم. كانت الأمهات يتسللن ليلا إلى داخل المخيم من أطرافه، وكن يعرفن أماكن الحفر التي كان الأهالي قد أعدوها سابقا لتجهيز ملاجئ، وكانت هذه الحفر قد تحولت إلى مستنقعات مياه عادمة. ومع ذلك، كانت الأمهات يقمن بانتشال كميات من هذه المياه، ومن ثم تصفيتها بأقمشة ناعمة عدة مرات، قبل غليها باستخدام مواقد الحطب، ليسقينها بعد ذلك لأطفالهن العطشى!

كانت ثمة طريقة أخرى لجلب المياه من آبار في أطراف المخيم، غير أن ثمن جلب الماء من بئر ما كان أكبر من ذلك في كثير من الأحيان، إذ استشهد العديد من الآباء والأمهات قنصا وهم ينتظرون دورهم لعدة ساعات في الليل دون التمكن من العودة بالماء إلى أطفالهم، في حين سقطت جثث بعضهم في داخل البئر جراء تعرضهم للقنص وهم ينتشلون الماء. ولم يمنع ذلك الأهالي من مواصلة انتشال الماء المختلط بجثث الشهداء ودمائهم.

المآسي في المخيم كانت كثيرة، لا تعد ولا تحصى..أصيب المئات بجروح غالبيتها كانت بالغة، ولم يكن من الممكن معالجتها في ظل ظروف الحصار، فاستشهد العديد من الجرحى.

خروج إلى الموت

استمر هذا الوضع حتى جاء اليوم المشؤوم، الخميس 12آب/ أغسطس 1976، يوم سقوط كل قلاع المخيم بعد خدعة انطلت على الصليب الأحمر الدولي، قبل أن تنطلي على منظمة التحرير الفلسطينية. طالبت مكبرات الصوت في الليلة السابقة الأهالي بإخلاء المخيم عند العاشرة من صباح الخميس، مع التأكيد على أن شاحنات الصليب الأحمر سوف تتولى نقل جميع السكان إلى بر الأمان. لم يكن أمام الأهالي سوى التصديق وكأن الفرج قد وصل من السماء لإنقاذ من تبقوا على قيد الحياة وسط جحيم المخيم.

إعدام ميداني بالجملة

 - علي الخطيب، كان من خيرة المقاتلين، نادوا عليه بينما كان بين حشود المغادرين، وتجمع حوله أكثر من ستة قتلة أفرغوا رصاصهم في جسده.. لم يركع أو ينحني علي وهو يتلقى عشرات الرصاصات حتى خر جسده على الأرض شهيدا.

- أم كانت تحمل رضيعها الذي وضعته قبل يومين، ركض باتجاهها أحد القتلة وانتزع الرضيع من حضنها وقذفه على بعد مسافة ليسقط فوق أشجار حالت دون رؤية موقع سقوط جسده الغض.

- فتاة مصابة بقدميها كانت تزحف وسط الحشود، قال احد القتلة لزميله "خذها تحت التينة ابسطها"! قالت له "الموت أهون ألف مرة"، فرد "روحي موتي"، وأطلق النار عليها.

- ابن عمي "غازي"، كان يحمل جدتي العجوز على كتفيه معتقدا أن حملها قد ينقذه من الموت، أنزلوها عن كتفيه، وقتلوها قبل أن يقتلوه.

- عجوز انزلقت لتقع في خندق، حاولت التسلق للخروج منه، فقال لها أحد القتلة "لوين.. لوين يا حجة؟ خليكي محلك"، وأطلق على رأسها عدة رصاصات.

- أبو ياسين فريجة، الممرض في وكالة الغوث، كان يرتدي مريوله الأبيض ويحتضن زوجته المصابة في كتفها.. انتزعوا زوجته منه، ثم ربطوا كلا من ساقيه بسيارة، انطلقت كل منهما في اتجاه معاكس.

- ابن عمتي علي، كان عمره 17 عاما، وكان بسيطا جدا "على البركة" كما يقال، ربطوه بسيارة من الخلف وانطلقت بأقصى سرعة وهي تسحله من ورائها.

- أبو أكرم، تاجر القماش المعروف في المخيم، عندما حاولوا انتزاع ابنه منه، نثر عليهم كل النقود التي كانت بحوزته، لكنهم قتلوا ابنه أمام عينيه قبل أن يطلقوا النار عليه أيضا، ومن ثم جمعوا النقود عن الأرض!

مشاهد قتل لم يسبق لها مثيل، لو سألت أيا من أبناء تل الزعتر سيروي ما هو أكثر فظاعة مما رويت .

نجاة بأعجوبة

وصلت إلى أمي التي كانت انضمت إلى عشرات العائلات تحت مظلة قرب «ميدان القتل»، بانتظار إيجاد وسيلة للانتقال مع إخوتي إلى منطقة آمنة، وعندما شاهدتني ركضت مع أخوتي باتجاهي، وفجأة سأل قاتل بشع الملامح أمي عما يوجد في الكيس الذي تحمله شقيقتي الصغرى، ولم ينتظر الإجابة، إذ شق الكيس بحربة سلاحه، فتناثرت الصور، وأخذ بالصراخ وترديد الشتائم بشكل هستيري قائلاً «يا أخوات.... كيف بعدكن عايشين لهلأ؟» صدمنا صراخه، ونظرنا إلى الصور المتناثرة على الأرض وأدركنا سبب هيجانه. فوق كومة من الصور كانت هناك بطاقتان عسكريتان لي ولشقيقتي، إذ كنا زهرتين في جيش التحرير، مع صورة لمدربتنا بزيّها العسكري. أجبرنا هذا المجرم على الاصطفاف ووجوهنا إلى الحائط، أمي في المقدمة، وأنا في آخر الصف، والأخوة الأصغر بيننا، في حين وقف أهالي المخيم يراقبون بانفعال ودهشة كيف سيتم إعدامنا نحن الستة دفعة واحدة. وفي لحظة ما، لمحت شاباً بزي مدني يقترب منا، قفزت نحوه بلمح البصر، وكل ما أذكره أني صحتُ فيه «بشرفك ما عندكأخوات»؟! فأخذني من يدي وقال للفاشي المتأهب لقتلنا «ألم تحرق قلبك هذه العبارة؟!»، وفي هذه اللحظة أمسك عدد من القتلة بشاب كان يحاول تسلق شاحنة مع عدد من العائلات، فتجمّعوا حوله وبدأوا بالصراخ، وانضمّ إليهم القاتل الذي كان يحتجزنا للمشاركة في «حفلة قتل» الشاب، وعندها مرت سيارة قام «منقذنا» بتوقيفها وأجبر السائق على أن ينقلنا في صندوق السيارة المكتظة بالناس، وانطلقت بسرعة. وهكذا نجت عائلتنا بأعجوبة، قبل أن تنضمّ إلينا شقيقتي الكبرى التي تمكنت من الخروج سالمة من تل الزعتر..