«الكساسبة» وقصة مـــوت بربريّــة
تاريخ النشر : 2015-02-08 12:49

عملية حرق الشهيد «معاذ الكساسبة» الوحشية تطرح الأسئلة الصعبة على جميع الدول العربية دون استثناء، لكونهم أكثر المعنيين في الإجابة عليها، فالصراع على أرضهم ويأكل أبناءهم أولاً، كما انهم مهددون بامتداده على مجمل المساحة ما بين المحيط والخليج؛ ما لم يتم وضع السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بوقف الزحف للمجموعات الإرهابية بغض النظر عن مسمياتها. فالجميع في هذه اللحظة، محكوم بعدم النأي بنفسه عن ألسنة اللهب المنبعثة في المنطقة، وهذا ما تؤكده الرسائل الموجَّهة لشعوب المنطقة والعالم وليس للأردن فقط. 
الرسالة مركَّبة ومحمّلة بالمواقف والأهداف، إضافة إلى أنها تلعب على الحواس وتستثير غرائز الانتقام والثأر، في الوقت الذي تستدرج المخاوف والقلق مستدعية خطاباً سياسياً وفكرياً غير الخطاب المتداول، والتفكير بأفق مستقبلي يجترح استراتيجيات وسياسات منهجية مدققة، لا تأخذ باعتبارها فقط اجتثاث الجماعات الإرهابية عسكريا فقط؛ بل العمل على اجتثاثهم فكرياً. على هذا يستند بيت القصيد والحل للخلاص من شبح «داعش» والجماعات التكفيرية والإرهابية ومنع توسع مناطق سيطرتهم ونفوذهم بشكل أسرع زمنياً مما يجري حالياً.. ودون ذلك ستستمر كوابيس عرض الأفلام الساديّة ومشاهد الحرق والشنق وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث، وسيستمر تجزئة الجغرافيا وسيستمر تفتيت المجتمعات وتفرقتها وخلخلة نسيجها الاجتماعي وضرب هويتها.
الرسالة الأولى التي يمكن التقاطها والتي وظفت فيها «داعش» التقنيات المتقدمة، تمثلت في إظهارها قويّة وعنيفة، إلا أنها لم تستطع إخفاء حجم الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بهم مؤخراً جرّاء الضربات العسكرية الموجعة وانسحابهم من بعض المناطق. ومن هنا، فإذا ما دمجنا بين رسالة «فيديو» حرق الطيار الأردني ورسالة «فيديو» التحقيق الذي أُعلن فيه عن أسماء وعناوين واضحة للأهداف المطلوبة لهم، تبدو الرسالة الثانية في شكل دعوة صريحة للخلايا «الداعشية» النائمة وغيرها نحو القتل والتخريب ونشر الفوضى والرعب في قلب المجتمعات، انهم يقولون بوضوح: «كلما خسرنا أكثر سنتوحش أكثر».. فليس عابراً ان يتضمن الفيلم مشهد رمي الركام فوق جثة الشهيد المتفحمة، انهم يقولون بوضوح هذا ما حدث مع عائلاتنا، انتقموا واثأروا لهم. 
السؤال الآخر برأيي أكثر صعوبة وتعقيداً، لكونه يطرح أسئلة إمكانيات اجتثاث الفكر الداعشي في المنطقة ومنها فلسطين، في ظل غياب وضعف وتماهي المرجعية الوطنية ذات المصداقية ودورها القيادي في نظر القاعدة الجماهيرية.
فكيف يمكن اجتثاث الفكر في ظل غياب المرجعية الوطنية التي يستنير بموقفها المجتمع؛ وخاصة الجيل الشاب الذي أصبح ينجذب نحو التيارات السلفية بسبب التضليل العقائدي وفشل أصحاب القرار عن إيجاد حلول للأزمات السياسية والأزمات المعيشية وللفقر والبطالة والعدالة الاجتماعية. لقد اجتذبت «داعش» الأجانب بسبب الرغبة في صنع مغامرة الحياة، وكذلك بسبب المال والنساء أو بسبب النوازع الساديّة المتفشية، وفقاً لبحث يحدد أسباب انضمام الأجانب الى «داعش»، فإذا كانت هذه حال الشباب في الغرب.. فكيف ستكون حال الشباب العربي اليائس والمحبط والغارق في أزمات لا أول لها أو آخر..!.
لقد فتحت الأجيال الشابة عيونها على التكنولوجيا، ويُخيّل لي أن أغلبية عددية قد ربطت نفسها بأسلاك مع «جوجل» كمرجعية، يسأله فيجيب؛ ويستقي منه المعلومات والتحاليل، في ضوء تشوش سائد لغياب المرجعية الوطنية التي تساعد على فرز ووزن الأفكار المطروحة عن بعضها البعض.
كيف يمكن إصلاح الوضع في ظل هذه الحال.. وكيف يمكن أن نعيد الاعتبار للنقاش والجدل الجمعي حول قضايا المنطقة الصعبة ومستقبلها.. وكيف يمكن إدماج المجتمع بنقاش النتاج الفكري للنخب الوطنية والفكرية والثقافية والتفاعل معه، وكيف يمكن جسر الفجوة بين الأجيال وإبقاء الشعرة التي على وشك ان تنقطع، من أجل تحصينهم وحمايتهم من الضياع والوقوع في براثن الأفكار التدميرية والإرهاب وغيره.. وكيف السبيل إلى معالجة الأزمات المعيشية التي تقف خلف انتشار اليأس والاكتئاب والفقر، وهي أحد الأسباب الرئيسة لنمو الفكر المتطرف. 
وأخيراً، لقد التقطت أذناي تعليقات ونقاشات بين بعض الطلبة اليافعين المتكوّمين في إحدى زوايا الشوارع في رام الله قرب البسطات، كانوا يتناقشون حول أمور الدين، ما ضاعف الأسئلة التي ينبغي مواجهتها، هل نبقى ندور حول ذات الخطاب: «إن الدين منهم براء»، بينما في المدينة تفاسير واجتهادات مختلفة ومتعددة لا تعد ولا تحصى. 
وهل سنرى ضحايا يرقصون رقصة الموت من أجل هروب مستحيل من الجسد الملتهب، بينما تستمر «الدواعش» في رقصها حول النار بطقوس بربرية، فماذا نحن فاعلون؟.