غزة- خاص نوى-
عندما تزوجت هاله محمد (23 عاما) كانت قد أنهت تعليمها الثانوي بنجاح، إلا أن العريس الفرصة خطفها من أحلامها، كي يجلب لها الأمنيات، ولكن سوء الحال في قطاع غزة، وضع حدا لأمنياتها فقررت قبل 3 أعوام أن تلتحق بالجامعة مهما كلفها الحال.
والد هاله أشفق على حالها، وقرر اقتطاع جزء من راتبه الشهري البسيط لتسدد به إقساطها الجامعية، فيما وعدت بتكفل ببقية المصاريف.
تقول هاله" تحملت كثيرا من أجل أن أحقق حلمي، عملت سكرتيرة في احد المؤسسات ثم لسوء الحال أغلقت المؤسسة حتى بحثت كثيرا عن فرصة عمل ولم أجد واضطررت للعمل في بيت كجليسة لطاعنة في السن أقوم بأعمال تنظيف وإعداد الأكل .
هاله تترك طفلتيها عند حماتها ولكنها لم تخبر أحدا بعملها باستثناء زوجها وتقول لمن يسألها أنها ذاهبة إلى الجامعة .
ومقابل عملها من الساعة السابعة صباحا وحتى الـ 12 ظهرًا تتقاضى هاله 600 شيكل (ما يعادل اقل من 150 دولار) وهو اجر زهيد جدا في ظل تكاليف المعيشة المرتفعة في غزة . إلا أنها تقتصده ليكفيها سداد مواصلات الجامعة وشراء بعض الحاجيات لأسرتها.
معاناة هاله تتكرر في بيوت كثيرة في قطاع غزة، بات تعليم الفتيات مطلب أساسي كنوع من إثبات الذات وتحسين الوضع الاقتصادي مستقبلا للأسر التي تضيق بها سبل العيش وتتعقد الحياة بسبب الحصار والصراع السياسي المستمر.
نجاة سمير" 21 عاما طالبة جامعية في السنة الرابعة، تعطي دروس خصوصية في منزلهم لعدد من طلاب المدارس قليلي التحصيل الدراسي، كي تستطيع توفير متطلبات ذهابها وعودتها الى الجامعة , تقول نجاة ان والدها يعمل في مجال الدهان إلا أن الوضع في غزة يحتم عليه ان يقضي أشهرًا بلا عمل خاصة مع إغلاق المعابر والحصار الذي يشتد كثيرًا هذه الأيام . وتضيف:" يبدأ يومي من الساعة السابعة صباحا اعطي التلاميذ دروسا خصوصية لمجموعتين واحدة صباحية قبل الذهاب الى جامعتي والأخرى في المساء بعد عودتي منها، ثم اقضي الليل سهرًا على دراستي الجامعية".
رغم رحلة تعب وإرهاق نجاة بين الجامعة والتدريس الخصوصي وأعمال البيت، إلا انها تؤكد أنه لولاها ما استطاعت ان تواصل تعليمها الجامعي . وتقول ضاحكة" هذه الدروس هي التي وراء أناقتي، أغطي منها مصاريف مواصلاتي وملابسي".
وتلقي أزمات قطاع غزة المتعلقة بإغلاق المعابر ومنع ادخال الوقود وازمة المواصلات وانقطاع الكهرباء على الدوام بظلالها على تعليم الطالبات، تقول هاله" انقطاع الكهرباء مدة 8 ساعات وقد يزيد في اليوم تجعلها تقضي دراستها على ضوء الشموع ليلا وهو الوقت الذي تشعر فيه بالراحة والهدوء بعد نوم طفلتيها وإنهاء أعمال بيتها". فيما تقوم نجاة بالسير على الأقدام مسافة طويلة كي توفر على نفسها ثمن المواصلات، وتصور نسخ من الكتب الجامعية التي لا تستطيع شراؤها. بسعر أقل . لتخفيض التكاليف عليها- بحسب قولها.
تعتمد كثير من الطالبات على نظام المنح أو القروض من الجامعة في ظل ارتفاع الأقساط الجامعية التي زادت من معاناتهن خصوصا في ظل عدم مجانية التعليم الجامعي، و قلة فرص العمل وعدم انتظام رواتب الموظفين.
في منتصف العام 2014 وصلت نسبة البطالة في قطاع غزة إلى 45%، وأكثر من 38% من سكان قطاع غزة يعانون الفقر الشديد عام 2011، ومع العدوان الأخير زادت النسبة بشكل كبير. وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وهو ما فاقم معاناة الطالبات حيث فقدن بيوتهن ومصادر دخل أسرهن.
إبراهيم الغندور منسق مبادرة تخفيض الرسوم الجامعية يقول" أن طلبة الجامعات يعانون بشكل كبير بسبب أزمات غزة من الحصار وإغلاق المعابر ورفع الأقساط الجامعية والتوزيع المسيس للمنح والقروض وتنامي التمييز بين الذكور والإناث. مشيرًا إلى أن هذه الظروف من شانها أن تحرم الكثيرات من الالتحاق بالتعليم العالي رغم تفوقهن، وقد أجبر أخريات على اختيار تخصصات لم تكن طموحهن يوما. مؤكدا أنه ومجموعة من الشباب قادوا حملة للضغط على صناع القرار بهدف تخفيض الرسوم الجامعية وإثارة مشاكل الطلبة وقضاياهم وصولاً إلى تحقيق مجانية التعليم الجامعي.
وترتفع نسبة التحاق الفتيات بالتعليم بشكل اكبر من الطلاب، فتشير الإحصاءات التابعة لوزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية للعام 2012-2013 انه بلغت نسبة الطالبات الملتحقات فعلا بمؤسسات التعليم أكثر من 126 ألف طالبة من بين إجمالي العدد ( 581,213 ألف ) طالبًا وطالبة. موزع على 18مؤسسة تعليمية بين جامعة وكلية جامعية ومتوسطة، منها 5 جامعات تقليدية واحدة منها فقط حكومية موجودة في قطاع غزة.
هاله الطالبة في قسم الأحياء، تأمل أن تصبح مدرسة، لتحرر أسرتها من الفقر والحاجة، وتؤمن لطفلتيها مستقبل أفضل. فيما تحلم نجاة بأن تحصل في المستقبل على وظيفة تعوضها عن تعبها وجهدها خلال فترة دراستها.
