ما أشبه الأمس باليوم
تاريخ النشر : 2015-02-05 19:59

بقلم – لينا جزراوي

عندما نقول استِخدامات الدّين ، فنحن لا نعني ديناً بعينِه ، ولتوّضيح ذلك ، أرى اليوم أن التّاريخ يُعيد نفسُه بأشكال وصُور مُختلِفة ، فما نُشاهِده اليوم من فظائِع تٌرتكب باسم الدّين ، كانت تُرتكب بحقّ الشّعوب والعُلماء والمُفكّرين أيام كانت الكنيسة تحكُم أوروبا في العصر الكلاسيكي ، كان الحاكِم يستمدّ شرعيّته وسُلطاته من الله ، ومن النصّ الديني ، وكانت الكنيسة تحتكِر تفسيرات آيات الكتاب المُقدّس وتفرِضها بالقوّه على البشر وتمنع أي تفسير غيرها ، وتحرّم مُناقشتها ، لقد حُرِقت الزّانية ، والعالِم ، والمُفكّر أحياءا ، عندما خالفوا أحكام الشريعة آنذاك ، وهي في الحقيقة أحكام العاهِل المُنفّذ لشريعة الله .

" ففي العام 1757 ، سُحِب داميان ( مواطن فرنسي) في عربة عاريا الا من قميص ، وفوق منصّة الاعدام تم قرصُه في حلمتيه وذراعيه ، وشحمات فخذيه ، ثم حرقت يداه بنار الكبريت ، ثم مُزّق جسده وقُطّع بواسطة أربعة أحصِنة ، وتُلفّت أوصاله وجسده بالنّار حتى تحوّلت الى رماد" (ميشيل فوكو ، المراقبة والمعاقبة ) ، هذا مِثال على عقوبة كانت تُنزل بمن يُخالِف أحكام القانون آنذاك ، وثمّة أمثِلة وصور كثيرة في الكِتاب ، كان القصاص ينزِل على المُخالِف لقوانين الحاكِم في ساحة عامّة ، فتُقطّع الأوصال وتُجزّ الرّقاب ، وتُحرَق الأجساد وهي حيّة لحِجج ومُخالفات وجرائِم مختلِفة ، منها السّحر والشّعوذة ، ومنها الاصابة بالحُمق أو الجنون ، الزّنا ، جريمة القتل ، نشر الأفكار والعلوم المُخالِفة لتعاليم الكتاب المُقدّس ، كانت تُقطع يدّ السّارِق ، ويُحكم على النّبلاء بقطع الرأس في ساحة عامة ، والانتِقام كان من جسد الفرد لردّ اعتِبار الحاكِم أمام الشّعب لمن يتجرّأ على كسر أحكامِه وقوانينه ، المُنزّلة من عند الله .

هذا حدث في أوروبا في العصر الكلاسيكي ، وما اشبه الأمس باليوم ، لقد تحرّرت أوروبا من السّلطة الدينية ، عندما قامت حركات الاصلاح تحت مُسمى ( حركات الاصلاح الديني) .

ما يحدّث اليوم باسم الاسلام كان يحدُث بالأمس باسم الكِتاب المقدّس ، وكانت تُستخدَم تعاليمه من أجل اضفاء الشّرعيّة على أفعال الاجرام والقتل والمُعاقبة ، وكلّه يتم باسم الدين وتحت غِطاءه ، القضيّة ليست اسلام أو مسيحية ، القضيّة استِخدام الدين كسُلطة تُبيح القتل ، وتحتكِر الحقيقة ، وتفرِضها بالقوّة والقتل على البشر . لقد تحررت أوروبا عندما فَصلت الديني عن الدنيوي و قطع رأس لويس السادس عشر ، كان قطعا لرأس الدين والغيبيّات والاستِبداد باسم الدّين ، لقد تحرّر العقل الغربي بعدما فُصِل رأس لويس المُقدّس عن جسدُه ، و فُصِل العقل عن الدّين ، وأصبح الدين محصورا داخِل دور العِبادة فقط وتحوّلت السّلطة لتكون للعقل والعقل فقط ، و اليوم نعيش ما عاشته أوروبا باسم الدّين وتحت سُلطة نصوصِه ، لقد توقّف فينا الزّمن داخل السّياج الغيبي الغبي عندما توقّفنا عن القراءة وحصرنا معرفتنا بالدين والكُتب المقدّسة فقط ،

إن الحقائِق تكمُن في التاريخ ، لكننا لا نعرِفها ، لأننا لم نقرأها

فكما قال فوكو " ليست الحقيقة هي ما تعرِفُه ، بل هي ما لا تعرِفُه " أحفروا في التّاريخ علّنا نخرُج من مُستنقعنا كما خرج من كان قبلنا.