جنين(كفر راعي)-خاص نوى- ميساء بشارات
منذ ثلاث سنوات قرر خمس نساء من بلدة كفر راعي تغيير نمط وروتين حياتهن، والخوض بتجربة جديدة لم تدخلها امرأة قط في بلدهن الزراعية، ليثبتن أن المرأة قادرة كالرجل على إدارة أي مشروع.
فاتن محمد، وصفاء حمدان، ورابعة الشيخ إبراهيم، وإيمان فتحي، وفاتن سالم، على اختلاف أعمارهن جَمَعهن حب تربية النحل، ليصبحن أشهر النحالات في بلدهن كفر راعي.
لم تسلم إحداهن من لسعات النحل الغادرة التي تتسرب من تحت الملابس أو من فوقها، لكن هذه اللسعات على تعددها واختلاف أماكنها زادت النحالات الخمسة إصرارًا على الاستمرار والنجاح.
تقول فاتن سالم، تمسك بيدها التي احمرت وتورمت قليلًا بعد لسعة نحلة" اعتدت على هذه اللسعات، وأصبح من ضمن عملي في المنحل".
ترتسم ابتساماتهن ويتبادلن النكات مع بعضهن، بينما يتنقلن بين خلايا النحل، وسط منحل وضع على أطراف بلدة كفر راعي، لوضع المضاد الحيوي الذي خلط بالسكر الناعم، لوقاية النحل من الأمراض.
تضيف فاتن: "تلقينا تدريبات لمدة خمسة شهور؛ لنتعلم كيفية تربية النحل والتعامل معه، بمشاركة 15 امرأة، لم يستمر منهن إلا نحن الخمسة، ولم نتوقع أننا في يوم من الأيام سنستلم هكذا مشروع، فيه خطورة وخوف في العمل.
تتابع: "جاء المشروع من مؤسسة كير لجمعية كفر راعي التعاونية الزراعية لصالح شخص يحمل خبرة، لكنه مر بظروف صعبة وترك المشروع لنستلم إدارته نحن الخمسة".
تمضي قائلة" قررنا خوض تجربة جديدة؛ لنثبت لأنفسنا ولغيرنا أننا نساء قادرات على حمل المسؤولية والدخول في مشروع يهابه الكثير".
تواصل" تحدينا المصاعب، بدأنا المشروع ب 146 خلية نحل، اجتهادنا وبحُبنا للمشروع استطعنا أن نجعلهن 660 خلية، قمنا ببيع عدد كبير منهن ليبقى لنا 166 خلية، وكنا بداية نعمل كمتطوعات في المشروع إلى أن أصبح لنا نسبة فيه". تتابع:" أصبح النحل جزءا من حياتنا، وتولد بيننا وبينه محبة وألفة".
بالبداية اعتمدت النسوة على إنتاج العسل، وبيع الخلايا، ليتطور عملهن ويصبحن قادرات على زراعة الملكات واليرقات، وتوفيرها لخلاياهن ولغيرهن، بدلا من شراء الملكات بأسعار مرتفعة من خارج مشروعهن، كما يوفرنها لمن يريد.
حول اثر المشروع على واقعهن، تقول فاتن محمد" أن المشروع حسّن من دخل النسوة الاقتصادي، ولو بشكل بسيط، كما أعطاهن خبرة جديدة في تربية النحل، وزاد من ثقتهن بأنفسهن وقدراتهن على التحدي والنجاح". تضيف" أشعرنا المشروع بأننا منتجات مفيدات في المجتمع".
أهم شيء لصفاء هو تقوية علاقاتها الاجتماعية بالناس عامة، وبصديقاتها النحالات الأربعة خاصة. تقول" أصبحنا قدوة لغيرنا من نساء البلدة، وقمنا بتدريب عدد من النساء اللواتي بعد أن رأين نجاحنا أصبحن يعملن مشاريع منزلية مماثلة لنا". بذلك تغلبت النسوة على عدم الخبرة، ليصبحن مربيات ومدربات في تربية النحل.
يعد مشروع النساء الخمسة الأول في البلدة، ويعتمد إنتاج النحل حسبهن، على تقلبات الطقس، فهو يحتاج إلى طقس معتدل، وكمية كبيرة من الزهور، كما يحتاج النحل لإدارة سليمة، ومتابعة دائمة خاصة في وقت إنتاج اليرقات للحفاظ على بقاء النحل.
تشعر النحالات بسعادة كبيرة من انجازهن، ويتحدثن عن التجربة الأولى مجتمعات" كنا عندما تلسع نحلة إحدانا نخاف ونتراجع، ثم أصبحنا أقوى، كل منا تشجع الأخرى وقت ضعفها، اعتدنا على الأمر، وأصبحنا نتنقل في المنحل ونقوم بالأعمال اللازمة دون خوف وبكل ثقة".
"كانت هناك مراهنة على نجاحنا من قبل الرجال خاصة، يقولون لن تنجح نساء في إدارة هكذا مشروع، لكننا والحمد لله نجحنا. تقول صفاء وابتسامة ترتسم على وجهها. تكمل" أصبحوا يتساءلون كيف نجحنا؟" .
تتنقل النحالات بين الخلايا الخشبية المنتشرة في المنحل والتي تتسع الواحدة منها إلى عشرة إطارات "براويز" لوضع الغذاء للنحل وتفقد الخلايا من وجود الملكة، والبيض والغذاء، وتضع له المضاد الحيوي المخلوط بالسكر الناعم لوقايته من الأمراض.
تقول فاتن في موسم إنتاج العسل، نضيف صناديق أخرى فوق هذه الخلايا لكل خلية موجودة حاليا لتتسع العسل المنتج.
ارتدت النحالات داخل غرفة وضعت في المنحل افارهول واسع ابيض اللون، لا يحتوي على اوبار ليقيهن من لسعات النحل، شبك فيه من الأعلى بواسطة سحاب قناع مع سلك ذو ثقوب دقيقة، إضافة إلى قفازات في أيديهن. وعملن بواسطة قطعة من المعدن على إزاحة إطارات الخلية بعد فتحها وكشط الشمع الزائد وتنظيف الخلايا.
تشير رابعة أنهن كن يقمن بالكشف مرة واحدة كل يومين، أما الآن مرة كل أسبوع، وعدد مرات الكشف تختلف من كل موسم لآخر وحسب الطقس.
تنوه إلى أن النحل قد يصيبه أمراض خطيرة تؤثر على الخلية مثل تعفن الحضنة الأوروبي والأمريكي.
أهم ما يلفت انتباه العاملات للنحل تنظيمه، تقول إيمان: "النحل عالم جميل، أول ما بتتعاملي معه بتنسجمي، منظم ومرتب".
ترى إيمان أن سر نجاح المشروع هو تعاونهن. مشيرة إلى أن النحل يعرف صاحبه، ويشم رائحته، وتشعر هي والنواعم براحة نفسية في الأوقات التي نقضيها في المنحل.
تستعمل النحالات الداخون لإخراج الدخان عند فتح كل خلية لتهدئة النحل. والداخون عبارة عن وعاء معدني يحتوي على مكبس يصدر الدخان عند الضغط عليه، عبر فتحة بشكل مخروط، وتشير النواعم إلى أن الدخان يكثر استعماله في حالة الطقس العاصف.
تقول النحالات أن اختيار مكان المنحل لها تأثير في نجاح المشروع أو فشله، فهو يحتاج إلى منطقة زراعية بعيدة عن المواطنين، والاضاءات الليلية وتنتشر فيها الزهور أو الرحيق، وبعيدة عن الروائح الكريهة، ويشترط وجود غرفة خاصة لأدوات النحل مزودة بنوافذ.
تفتخر النساء الخمسة اللواتي أصبحن معروفات لدى أهالي البلدة، يشيرون إليهن بالبنان "هؤلاء النحالات"، بالانجاز الذي حققنه ويسعين حاليا لإنتاج حبوب اللقاح وغذاء الملكات
