رام الله - نوى (خاص) - محمد بركات
تصريحات متناثرة وأخبار متناقلة وكلمات باتت على السمع ثقيلة، وأصوات من هنا وهناك تملأ قاعة الهلال الأحمر في مؤتمر نظم قبل فترة لنصرة الأسرى، وما أن دخلت المكان حتى أحسست رائحة الحنين القوية التي تفوح من قلوب أمهات يحملن صور أبنائهن الأسرى.
لا أريد أن يعود ابني في تابوت
عيون على حافة البكاء ووجه غاضب يختنق بملامح الحزن، هكذا كان حال والدة الأسير ناجي عرار، من قرية قراوة بني زيد، والمحكوم 18 عاما في معتقل الاحتلال المسمى ريمون.
بدت أم عرار غاضبة فلم تترك مسؤولا في قاعة الهلال إلا وتحدثت معه بشأن ابنها المريض بالخبيث منذ 6سنوات، وإلى الأن لم يُعالج فتقول ام عرار :" ابني اله 6 سنين مريض وعنده ورم واخذوا منه عينة ولحد الآن برجعوله"
لقد ملت والدة الأسير عرار من مماطلة الجهات المسؤولة في علاج ابنها المريض فتقول " الي أكثر من سنة ما خليت مؤوسسة حقوق انسان ورحت على وزارة الأسرى لحد الان يسمع انو بدهم يعملولو عملية "
وتتعجب والدة الأسير من عدم الجدية من قبل وزارة الأسرى فيما يخص ابنها فتقول " يعني تلفون ما رفعوا وحتى زيارة ما زاروه وابني مش بمستشفى.
وتأمل ام عرار أن يعود لها ابنها بصحة جيدة فتقول " لا أريد ان يعود ابني في تابوب "
من أمريكا الى هداريم
بجانبها تجلس والدة الأسير محمد نوارة من المزرعة الغربية والمحكوم بالمؤبد في معتقل هداريم. سألتها عن الصورة التي تحملها فقالت بصوت مشحون بالبكاء " هذا ابني محمد صارله مسجون 12 سنة من أيام ما دخلوا على مقر الشرطة وقتلوا الجنديين الاسرائيلين "
والدة محمد تسكن في أمريكا وتنتظر صدور تصريح الزيارة لتأتي من أمريكا فترى ابنها ثم تعود، تقول " انا ساكنة بأمريكا لما يطلعلي تصريح باجي بزوره وبرجع "
وكانت والدة محمد تأمل بخروج ابنها في صفقة شاليط فقد قيل لها أن اسمه ضمن لوائح المفرج عنهم؛ لكن أملها تبخر بعد أن حذف اسمه فتقول " أجانا خبر انه طالع مع الأسرى بصفقة شاليط وأجيت من أمريكا بس ما بعرف شو صار غيروا اسمه "
واختتمت والدة محمد كلامها بنبرة حزينة مطالبة كل الجهات المسؤولة والمواطنين بالوقوف مع الأسرى ودعمهم فتقول " انا بتوجه لجميع الشعب إنهم يوقفوا مع الأسرى لأنهم بحالة سيئة في المعتقلات ولادنا ضحوا بحياتهم عشان الجميع مش عشانا لحالنا ".
تابعت التنقل بين الجالسين وأنا أتلفت بالمكان حين شاهدتها تحضن صورة ابنها بقوة وتخفض رأسها للأسفل، كأنها وحيدة في تلك القاعة، فلا أحد يلفت انتباهها، ولا كلمة تزيح كاهل الهم عنها؛ إنها والدة الأسير ماهر مطير المحكوم على ابنها ب 23 سنة في معتقل نفحة، ولم تكن أكثر تماسكا من الأمهات الأخريات وهي تدمع قائلة:" أنا أم ماهر مطير محكوم بسجن نفحة 23 سنة. لم تكمل فقد أجهشت بالبكاء الشديد.
كرت أحمر !
من جانبها خرج صوت يخفف عنها قائلا " ما تبكي إن شالله بطلعوا كلهم عن قريب " أنه صوت والدة الاسير حسام شحادة المحكوم 6 مؤبدات في معتقل ريمون وقضى منها 11 عاما ، وطالبت بجعل قضية الأسرى على رأس أولويات السلطة الفلسطينية قائلة " بحكي للمسؤولين انه قضية الأسرى أولوية ،الاسير عمره بضيع في السجن، ولادنا شمعات بتذوب في السجون"
وإدارة سجون الاحتلال تعتبر حسام شحادة خطيرا جدا بسبب تهمة " القتل " لذا ينقلونه باستمرار من معتقل إلى أخر مع وضع اسمه في "القائمة الحمراء " وتقول
"ابني أعطوه كرت احمر " خطير " بضلوا ينقلوا من سجن لسجن"!
لا حياة لمن تنادي
وقبل خروجي من القاعة شدتني ملامح القوة في وجه امرأة ستينية العمر توجهت إليها وبدأت أحادثها إنها والدة الأسير ناصر أبو حميد من مخيم الأمعري وهي أم لسبعة أسرى تم الافراج عن ثلاثة منهم وبقي أربع4 لا يزالون على صمودهم في معتقل عسقلان.
لم تستطع أم ناصر ابو حميد أن تحمل صورا لأبنائها ، فتحت هاتفها وأرتني اياهم وهم ناصر سبعة مؤبدات وخمسين عاما ، وشريف خمسة مؤبدات ، ونصر خمسة مؤبدات ، ومحمد ثلاثة مؤبدات وثلاثين عاما، هكذا عرفتني عليهم، أرقام محكومية بأسماء تحتجزها إرادة احتلال لم يقبلوا وجوده على أرضهم.
والدهم لم يرهم منذ 11 عاما ولن يستطيع بعد أن أصبح ضريرا، أما أم ناصر فتزورهم الأربعة بشكل متقطع "ابوهم ضرير اله 11 سنة ما شافهم وانا بزورهم زيارة خاصة وبشوفهم الأربعة مع بعض ساعة إلا ربع "
وعبرت عن شعورها بالتعب وفقدان الأمل من أي جهة مسؤولة فقالت " تعبنا. الي 30 سنة وانا أزور، وناشدت كل العالم ولا حياة لمن تنادي "
خرجت من القاعة قبيل انتهاء المؤتمر وسيدتان تصرخان وتبكيان أمام عدسات الكاميرا وعلى مرأى المسؤولين، ليس للحكاية نهاية ولا راوٍ إلا دموع أم أسير وقلب تحمل فيه شوقا تدميه لوعة الفراق.
لم أكتب تلك المشاهد مباشرة؛ ربما لأنني شعرت في قرارة نفسي أننا أسرى العجز وضحايا دوامة تدور بنا، لكن الأمل - وفقط هو الأمل - برغبتنا بالحياة، جعلني أُفرج عن تلك الكلمات لكل قارئ.
