غزة-خاص نوى
تتنقل المخرجة الفلسطينية اعتماد وشح بين شابات يعملن في مجال المونتاج التلفزيوني، اشرفت على تدريبهن عدة سنوات، توجهن بعين ناقدة لإدخال تعديلات تضيف لمسات فنية على أعمالٍ تلفزيونية أنتجنها من ألفها إلى ياءها.
تعمل وشح كمنسقة لبرنامج الفيديو في مركز شؤون المرأة بغزة؛ وهو المكان الذي تتدرب فيه المخرجات، تقول:" بعد أن أخذت نفساً عميقاً هادئاً:" الحمد لله الجزء الأكبر من حلمي قد تحقق".
اقتحمت المخرجة وشح عالم الاخراج التلفزيوني من أوسع أبوابه، انتجت من غزة المحاصرة أفلاماً هامة تعالج قضايا اجتماعية، وتحديداً المتعلقة بالمرأة الفلسطينية، " فيلم المحجوبة، و"طوق الياسمين"، و"حراير"، وغيرها من الأفلام، عبر سنوات عمل متواصلة، حققت وشح الجزء الأكبر من أحلامها بأن تصبح مخرجة وتؤسس لطاقم من الشابات اللواتي يعملن في مجال الانتاج السينمائي بمختلف مراحله.
في البدء كان حلماً
عن بدايتها تقول المخرجة وشح، 44عام:" منذ الصغر يستهويني العمل التلفزيوني بكافة مراحله، وكان يملؤني الشغف حول كيفية صناعة الأفلام، في العام 1995 سمعت عن دورة في التصوير أطلقها آنذاك مركز شؤون المرأة، فالتحقت بها، ثم تلقى المركز مشروعاً عبارة عن تدريب دبلوم في مجال الإنتاج والإخراج لمدة عام، ونصف؛ وكانت حينها المدربة كندية، انهيت التدريب بإنتاج فيلمين أحدهما عن الزواج المبكر والآخر عن الاختلاط، وحصلت على درجة عالية جداً".
رغم عينها الناقدة في العمل التلفزيوني، إلا أن وشح تنفي أن الأمر كان موهبة، ولكن حسب رأيها حب الشيء والإصرار على التعلم والقراءة الدائمة والمتابعة المستمرة تؤتي ثمارها.
موضوع الإنتاج التلفزيوني أثار فضول الشابة التي درست الخدمة الاجتماعية في جامعات غزة الفقيرة بالإنتاج المرئي، حيث كان عدد المخرجين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فضلاً عن ثقافة اجتماعية تكفي وحدها لتقويض الحلم مهما كان كبيراً وناضجاً، لكنها كسرت الحاجز النمطية، وانطلقت إلى حيث هدفها.
تقول:" مع العام 1999، وفر المركز للمتدربات فرص لتصوير بالقطعة، عملت حينها كمساعدة لمنسقة البرنامج، كان عبء العمل التقني يرتكز عليّ بشكل كبير، ومن ثم حصلت على فرصة للعمل كمنسقة للبرنامج عام 2000 بعد انتقال المنسقة لعمل آخر".
تدربت وشح فيما بعد على كيفية إنتاج فيلمها الخاص بنفسها بدءاً من الفكرة حتى خروجه إلى الشاشة، وحصلت على فرصة للتدريب في جنيف، الوحيدة من قطاع غزة، لتكون الفرصة التي غيّرت مسار حياتها في عالم الإخراج تماماً.
تقول وشح:" تدربت 6 شهور في جنيف على يد مخرج كبير، وبأجهزة حديثة تعلمت كيف نتعامل معها، التجربة غيرت حياتي، عالم مفتوح وتكنولوجيا حديثة وعلاقات مهمة، واجهتني مشكلة اللغة فهم يتحدثون الفرنسية وانا أتحدث الانجليزية، وبمساعدة الزملاء في الترجمة تمكنت من اجتياز التدريب بنجاح كبير، رغم أنني واجهت انتقادات المجتمع الذي يرفض فكرة سفر الفتاة للخارج وحدها، بدعم والديّ حققت حلمي بالسفر".
شكّلت التجربة بالنسبة لوشح قفزة نوعية ليس فقط في مسارها المهني، بل أن حلمها في تشكيل قاعدة عريضة من الشابات العاملات في مجال الإنتاج المرئي تحقق.
المعوقات التي واجهت وشح منذ بداية عملها، من ضعف انخراط الفتيات في العمل الإعلامي، واقتصار عمل الفتيات آنذاك على عملهن كمصورات أفراح، والرفض الاجتماعي لفكرة عمل المرأة في مجال مفتوح كالإنتاج المرئي، وصولاً إلى الرقابة حالياً، تغيرت.
تقول وشح :"حين تم افتتاح أقسام الصحافة بالجامعات وبعض الإذاعات المحلية، ترددت الفتيات في خوض التجربة؛ لعدم امتلاكهن المهارة العملية".
بعيون النساء
وشح سارت بخطى واثقة نحو حلمها، رغم علمها بالمصاعب والحاجة للصبر لسنوات، فكّرت بأعمال تلفزيونية تعرض على الجمهور من إنتاج فتيات يناقشن من خلالها قضايا المرأة والمجتمع الفلسطيني، فبدأت ومن خلال مركز شؤون المرأة بخطة منذ العام 2006 لتدريب شابات في هذا المجال.
تقول وشح :"بدأنا بتدريب الشابات في كتابة السيناريو والتصوير والإخراج والمونتاج لمدة 200 ساعة تدريبية، وعلى يد مخرجين من ذوي الخبرة العالية، حملت على عاتقي تدريب التصوير والمونتاج كونه تلقيته في الخارج، وبدأنا بالإشراف كمركز على عمل الشابات في كل مرحلة، ثم حصلن على دورات متخصصة كل منهن حسب رغبتها والمجال الذي تمكنت من الإبداع فيه، منهن من اختارت التصوير ومنهن من اختارت المونتاج، وهكذا".
لم يتوقف الأمر عن هذا الحد، فقد أصبح التوجه لصقل مهارات الشابات في هذه المجالات المتخصصة، مستفيدين من خبرات مدربين تلقوا تعليمهم في معهد السينما في مصر، رغم أن هذا لم يكن متاحاً في فترات سابقة.
سارت وشح التي حصلت خلال مسيرتها على العديد من شهادات التقدير، نحو حلمها وهو مهرجان أفلام المرأة "بعيون النساء"، في نسخته الأولى عام 2009 والذي كانت مفاجأة أبرزت تعطّش الناس لعمل تلفزيوني محلي، كل المشاركات كانت فيه نسوية خالصة.
تقول وشح :"كان حلماً تحقق، بدأنا عام 2009، وكررنا التجربة عام 2011، و2013، وسيكون هذا العام مهرجان بعيون النساء في نسخته الرابعة، استطعنا استقطاب عدد كبير من الأفلام من خارج غزة، وشهدت المهرجانات تفاعلاً كبيراً.
تضيف وشح :"تمكنّا عبر هذه السنوات من إيجاد قاعدة عريضة من الشابات اللواتي يعملن في مجال الإنتاج، أصبح لدينا الآن أسماء لامعة لشابات شاركن في مهرجانات داخل وخارج الوطن، منهن: نبيلة مبروك ونجاح عوض الله وحنين السلطان وغيرهن الكثير من الشابات اللواتي يعملن في مختلف مراحل الإنتاج التلفزيوني".
وشح لم يتوقف حلمها، فهي تحلم بإنتاج فيلم تلفزيوني حول القضية الفلسطينية، لكنها تواجه مشكلة عدم وجود عدد كافٍ من كوادر الممثلين، إلا أنها ستواصل البحث حتى تحقيق الحلم، فحسب رأيها مثلما كان وجود النساء في الانتاج التلفزيوني حلماً تحقق، بالإمكان مواصلة الحلم على مختلف الصعد.
