بقلم - جمعة شنب
بعد إحدى وثلاثين سنةً، مضت على نشر آخر مجموعةٍ قصصيّةٍ لي، بعنوان "موت ملاك صغير" وكنتُ لم أزل أحد طلّاب كلية الاقتصاد والعلوم الإداريّة، في الجامعة الأردنيّة. كنتُ شأني شأن كثيرٍ من أبناء جيلي آنذاك، مسكونًا بهاجس المخيّم الفلسطيني، حيث نشأت فقيرًا بائسًا، غير يائسٍ، ومعبّأً بالأمل. ألوذ به، هربًا من الألم الشديد.
آنذاك كتبتُ عن مريم، صاحبةِ المريول الممزّق، وحقيبتها المدرسيّة المتهالكة. وعن ابن المخيّم، في مواجهة الثريّة جونسييت. وأذكر، لمّا دخلت مكتب أستاذي في مادّة القانون الإداري، الدكتور عبد القادر الشيخلي، العراقيّ الأسمر، الموسوعيّ، أذكره حين حدّق بي، من تحت نظّارته السميكة، وقال " عِيني هذي جونسييت مو مرياااام ".
تزوجتُ طالبةً من كليّة الآداب.
ثمّ ذهبت إلى الخدمة العسكريّة الإجباريّة، براتبٍ مقداره ثمانية دنانير أردنيّة في الشهر. بالكاد تكفي سجائري.
وعندما أنهيت الخدمة العسكريّة، وقف المحقّق دوني والعمل. لكنّ القنصل في السفارة الأمريكيّة، على الدوّار الثالث في جبل عمّان، قد منحني تأشيرة سفر مدّتها خمس سنين.
حين مشت الطائرة على المدرج، قلتُ من بين دموعي:" تبًّا للكتابة والكتب والكتّاب. ساجرّب حياةً، غيرَ حياة المخيّم. سأتعلّم لغةً جديدةً. سأجمع مالًا. سأبني بيتًا. وسأشتري سيّارتين ثنتين".
لكنّ إغواء التجربة قد أخذني بعيدًا جدًا. بعيدًا، أبعد من ما جنحت إليه مخيّلتي الصغيرة.
كنتُ أشبه حنظلة، بصورةٍ ما. رجلًا حردان بكلّ ما يقتضيه الحرد. ولم أخلني سأكتب حرفًا، غير تلك الرسائل التي كنتُ أتبادلها وأهلي وبعض أصدقائي. آنذاك لا انترنت ولا فيسبوك ولا ما يحزنون. رسائل حميمة، وحردانة أيضًا.
استمرّ حردي عن الكتابة تسعة أعوام، ثمّ عاودني الحنين، فرحت أكتب رواية. لكن مسوّداتها قد سُرِقت، أو ضاعت. فلم تعد في كلّ الحالات بحوزتي. وقلت لنفسي"هذا حافزٌ آخرُ، يدفعني نحو مزيد من التجربة، ونحو طلاقٍ، يبدو بائنًا، مع الكتابة".
لقد قدتُ سيارتي عشرات آلاف الأميال، فورثت ثلاثة:" (دِسك) في عمودي الفقري، وميلًا شديدًا إلى الوحدة، وكثيرًا من التجربة".
حردت أربع عشرةَ سنةً أخرى. ثمّ عدتُ إلى البلاد، بعد أن أثملتني التجربة، وكادت تودي بي، لولا أن رأيتُ برهان ربّي. ورحتُ أكتب، بلسان آخر، وعينين أخريين. واستبدلت قلمي، مثلكم تمامًا، ب(كي بورد).
وعندما استقررتُ، وتحايلتُ على روحي، رمى القدرُ في طريقي قليلًا من الطيّبين، الذين يكفونني لأعيش ألفي سنةٍ أخرى.
من هؤلاء، من ذهبت إلى مكتبه ليلةَ أمسِ، وكان يضع رتوشه الأخيرة، على الغلاف. وآخر قال مبتهجًا" هذا فتحٌ جميل". وكيف لي أن أحظى باثنيهما وغلاف كتاب في سيّارتي، متّجهين أربعتنا -بعد هذا- إلى اجتماعنا الأسبوعي الحميم، حيث ينتظرنا هناك بقيّة الأحبّة!
هذا غلاف مجموعتي الرّابعة، التي ستُطلّ خلال أسابيع، ولم أخلها ستفعل، من قبل... وبعد إحدى وثلاثين سنةً، وقد فارقتني رهبة النّشر، بعد أن فارقني الزهد بالكتابة. هذه مجموعتي القصصيّة، التي أفضّل تسميتها "المجموعة صفر" لولا أن رأى أصحابي تسميتها "قهوة رديئة".
