إلى متى يمكن تجاهل هموم المواطن؟
تاريخ النشر : 2013-02-04 15:40

في أوضاع غير التي يمر بها الفلسطينيون، وبتوفر قيادات وثقافة غير القيادات والثقافة المفروضة على الشعب الفلسطيني، ربما كان علينا أن ننتظر مناهج مختلفة في فن القيادة، وفي ممارسة المسؤولية عن الشعب في ظل قسوة السياسات الاحتلالية. لماذا تمتنع القيادات السياسية من مختلف الأنواع والألوان، عن إجراء مراجعات سنوية، شاملة، وتمتنع عن ممارسة النقد الذاتي، وعن تقديم كشف حساب سنوي للناس الذين يدفعون الثمن، خصوصاً وأن هؤلاء الناس يظهرون قدراً عالياً من التسامح، وطالما أن النتيجة واحدة في كل الظروف، بما في ذلك غياب آلية الانتخاب الديمقراطي؟
ليس ثمة من سبب للخوف من تقديم مثل هذه المراجعات النقدية وكشوف الحسابات للناس وعلنياً، بما في ذلك تقديم مقاربات لمعالجة بعض الأزمات التي تنال من صمود الناس ومعنوياتهم، وتفقدهم الثقة بقياداتهم، بعد أن تجاوزت الحقائق إمكانية تغيير الأمر الواقع، الذي يشهد انقساماً ويشهد سيطرة لا تتزعزع على مقاليد أمور الناس المغلوبين على أمرهم.
عدد من الأسرى الأبطال في سجون الاحتلال يخوضون منذ أيام طويلة إضراباً عن الطعام، إلى أن تحول بعضهم إلى مجرد هياكل عظمية، ويواصلون كسر أرقام "غينيس"، فيما الاحتلال لا يعيرهم أي اهتمام، وفيما يكتفي بعضنا بإحصاء عدد أيام إضراب كل منهم.
من بين هؤلاء الأبطال من أعادت إسرائيل اعتقالهم وتحويلهم إلى الاحتجاز الإداري بعد أن تم الإفراج عنهم ضمن صفقة "وفاء الأحرار"، وجزء منهم تجاوزت مدة إضرابه المئة وخمسين يوماً متواصلة.
لقد لاحظنا تراجع منسوب النشاطات التضامنية والاحتجاجية مع هؤلاء الأسرى ودخلت قضيتهم مربع الروتين اليومي، اللهم إلاّ من بعض التصريحات والوعود التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
الرئيس محمود عباس درج مؤخراً على التأكيد بأن قضية الأسرى والإفراج عنهم وقضية وقف الاستيطان، هما شروط لا يمكن العودة إلى المفاوضات بدون تحقيقها، ولكن هل نصدق أن الاحتلال سيستجيب لمثل هذه الشروط والمتطلبات، حتى لو أن المجتمع الدولي، سعى إلى فرض المفاوضات، ضمن مبادرة يجري التحضير لها.
غير أن هذه التصريحات غير كافية، فملف الأسرى، والممارسات الإسرائيلية بحقهم تلك الممارسات التي تنتهك أبسط حقوق الأسير، بما فيها الحق في الحياة. هذا الملف يستحق دفعه دون تأخير إلى المؤسسات والمحاكم الدولية المختصة، ويستحق هذا الملف، أيضاً، أن يبادر الأسرى إلى تفجير انتفاضة عارمة في السجون ستؤدي بالتأكيد إلى استجابة شعبية عارمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهذا الملف، لا يخضع للخلافات والتجاذبات الفلسطينية، فهو من بين الملفات التي تحظى بإجماع القوى والفصائل، وكل فئات الشعب الفلسطيني داخل وخارج الوطن المحتل الأمر الذي يستدعي ولو من باب تعزيز الثقة بين المنقسمين، ولتأكيد المناخات الإيجابية لتحقيق المصالحة، يستدعي خطة وطنية عامة يجرى العمل بموجبها من قبل الجميع، وتشمل كافة الأراضي المحتلة بما في ذلك العام 1948.
ملف آخر ينطوي على إزعاج شديد يومي لسكان قطاع غزة، وهو ملف أزمة انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً. لقد طال أمد هذه الأزمة دون أن يعرف أحد نهاية ممكنة لها، ولا طريقة لمعالجتها. من غير المعقول أن يعتقد أحد من المسؤولين أن الناس قد أخذت تتكيف مع هذا الواقع، أو أنه لا حدود لصبرهم.
لقد اتسعت دائرة الضحايا الذين تقتحمهم المنية جراء الاستخدام الخاطئ لوسائل الإضاءة وآخر هؤلاء الضحايا ستة من عائلة واحدة هم الأب والأم وأربعة أطفال. النيابة العامة تحقق في أسباب الكارثة، دون أي داع للتحقيق، فالسبب معروف، ذلك أن انقطاع التيار الكهربائي يؤدي بالناس إلى استخدام وسائل أخرى غير آمنة، من المولّدات، إلى الـ "يو بي اس"، إلى الشموع إلى إشعال النار، الأمر الذي ينطوي على إهمال من بعضهم ما يؤدي إلى احتراق المنازل بمن فيها.
الحديث عن عائلة واحدة ليس حصرياً، بل إنها آخر مأساة، سبقتها مآس أخرى، لم يؤد تشكيل اللجان للتحقيق، إلى أي نتائج بشأنها، وكلها تسجل في قائمة ضحايا القدر.
بصفة عامة الناس، لا يعيرون اهتماماً لكل التبريرات والشروحات التي يقدمها المسؤولون سواء السياسيون أو المهنيون، فكلها تؤدي إلى بقاء الأزمة وتعميق الشعور بالغبن، والغلب، والاحتقان.
من لا يصدق ذلك، عليه أن يعود بالذاكرة القريبة إلى مشهد الخروج العظيم للناس في قطاع غزة يوم الرابع من الشهر المنصرم، على خلفية الاحتفال بالذكرى الثامنة والأربعين لانطلاقة حركة "فتح" والثورة الفلسطينية المعاصرة.
كان واضحاً لكل ذي بصيرة، أن هؤلاء الذين خرجوا طوعياً، إنما يعلنون احتجاجهم على الانقسام، وعلى طريقة إدارة الحكم، ورفضهم قبول الأمر الواقع. ليس من طريق لتغيير هذا الواقع سوى بتغيير واضح وملموس في طريقة التعامل مع الناس وفي إدارة الحكم ومعالجة الأزمات التي يعاني منها الأغلبية الساحقة من سكان قطاع غزة، وإلاّ فإن هذا الشعب، كما يعرف الجميع، وتؤكد التجربة، شعب أقصوي، يصبر إلى أبعد الحدود، لكنه حين يغضب فإنه يغضب إلى أبعد الحدود.
ملف ثالث هو ملف ضحايا الأنفاق، الذين تجاوز عددهم الـ 165 ضحية عدا المصابين. نعم الأنفاق شكلت مخرجاً يوفر للناس الضروري وغير الضروري من احتياجاتهم، وهي واحدة من الإبداعات الفلسطينية التي تحظى باحترام ولكن إلى متى ومتى ينتهي هذا الإبداع الذي تحول إلى مصيدة للموت للكثير من الغلابا الذين لا يجدون عملاً فتضطرهم صعوبة الحياة للمجازفة بحيواتهم؟
الحصار سبب رئيسي في اختيار هذه المجازفة ولكن ألا يمكن اتخاذ إجراءات، تكفل السلامة، أو تقلل من الخسائر البشرية؟ ثم أليس هذا الاختيار واحداً من النتائج الأكيدة لاستمرار حالة الانقسام التي لا يبدو أن ثمة سبيلاً لمعالجتها؟ الناس تبدي استعداداً منقطع النظير لدفع ثمن الاحتلال وعدواناته المتكررة ولكنها غير مستعدة لأن تدفع دائماً فاتورة السياسات الخاطئة، والحسابات الفصائلية، وأزمات الحكم. وإذ تطول القائمة فإن تقليد المراجعة الغائب يشمل كل المؤسسات القيادية العامة والفصائلية، والنقابية، ابتداء من المجلس الوطني الفلسطيني الغائب منذ أكثر من عقد ونصف العقد إلى المجلس التشريعي واللجنة التنفيذية والحكومات وقيادات العمل النقابي.. إلخ. فمتى يصطلح الحال؟