غزة-خاص نوى
حياة محفوفة بالمتاعب يعيشها الزوجان الصحفيان الشابان محمد عثمان وهدى بارود "28 سنة"، يعملان في مهنة المتاعب، اختارا الصحافة الاستقصائية كفن صحفي حديث في فلسطين، شكّل ضغوطات وتهديدات بالنسبة لمحمد تحديداً، حيث وضعته تحقيقاته في مواجهة مباشرة مع أطراف عديدة.
مستقصي "بالصدفة"
يحكي محمد لـ نوى بدايته في الصحافة" كنت أرغب في دراسة المسرح والسينما، لأسباب مادية بحتة لم أتمكن من السفر إلى مصر للدراسة هناك، درست إذاعة وتلفزيون في جامعة الأقصى بمدينة غزة، باعتباره التخصص الأقرب لرغبتي".
يعقّب محمد على هذه المرحلة قائلا:" وجدت نفسي في الكتابة، كنت أعبّر عنها بشكل صحيح، عملت في المرحلة الجامعية مع عدة إذاعات محلية متطوعاً، وشاركت في مسابقات للصحافة، أحب الفنون إليّ كانت الكتابة أولاً ثم الإذاعة وقد انتقل لها يوماً ما".
تخرج محمد من الجامعة عام 2009 ، وعمل بنظام القطعة، أحب التحقيقات وسعى لأن يكون متميزاً فيها، أنجز عدة تحقيقات محاولًا الاستناد إلى وثائق، لكنه وبالمصادفة البحتة تعرف على الصحافة الاستقصائية.
يقول:"كنت كأي خريج أقلّب في الانترنت بحثاُ عن عمل، وجدت إعلان مؤسسة أريج حول الصحافة الاستقصائية، قرأت حول هذا الموضوع لفترة من الزمن حتى فهمته، تواصلت مع أريج وطرحت عليهم فكرة إنجاز تحقيق استقصائي حول "الأنفاق وكيف تحولت لشركات استثمارية"، وهو أول تحقيق أنجزه بأدوات الصحافة الاستقصائية، ثم توالت التحقيقات مع مؤسسة أريج وخارجها".
حصل محمد على المرتبة الأولى في جائزة الصحافة العربية في دبي عن فئة صحافة الشباب بدورتها العاشرة للعام 2011، ثم توالت الجوائز ليحصد أربعة أخرى ويرشح لعدد آخر، سافر إلى الأردن، وشارك في دورة تدريبية في الصحافة الاستقصائية وعاد يمللؤه الأمل في تحفيز زملائه الشباب ليكونوا مستقصّين ناجحين، تعرّف في هذه المرحلة على هدى بارود التي تخرجت من الجامعة الإسلامية عام 2009، وكانت تعمل في صحيفة فلسطين، جمعهما حب الصحافة الاستقصائية ثم الحب المتبادل، وجدا أن بإمكانهما إكمال حياتهما معاً، فتزوجا عام 2011، وأصبح لديهما الآن طفلتين جميلتين هما لمياء وألما.
يعتقد محمد أن الصحافة الاستقصائية تتطلب صحفي فضولي، يرى كل زوايا الموضوع، لهذا الغرض تقمص شخصية عامل أنفاق مرة، وتعرض لوعكة صحية حادة عندما أجرى تحقيقاً حول وادي غزة، مؤكدًا انه رغم خطورة العمل الاستقصائي ضرورة أن يتخذ الصحفي كل الاحتياطات اللازمة لحماية نفسه. "كل خطوة محسوبة، كل خطوة يجب أن تستند إلى القانون، أول ما أفعله في أي تحقيق أنفذه هو أن أقرأ ماذا يقول القانون في هذا الموضوع".
جدل
يثير محمد عادةً الجدل باستخدامه أحيانا كاميرا التسجيل السرية، والتي يراها البعض أمراً غير مبرر في العمل الصحفي، " أستخدم الكاميرا فقط في التسجيل لفاسد، وهي الخطوة الأخيرة لإثبات الفساد، لكني لا استخدمها مثلاً لتوثيق جريمة أخلاقية، فهناك خطوط حمراء في استخدامها".
تأثرت حياة المستقصي محمد الذي نشر العديد من التحقيقات المثيرة للجدل، نتيجة عمله، وتعرض للكثير من التهديدات كان آخرها التهديد الذي تلقاه بسبب تحقيق استقصائي نشره حول "إعدام المشتبهين بالعمالة أثناء العدوان على غزة بشكل غير شرعي"، يقول:" في كل مرة أتلقى فيها التهديدات يتحول البيت لما يشبه ورشة عمل للبحث عن سبل حل المشكلة، هدى زوجتي أول من يقف بجانبي ويدعمني".
علاقة محمد بزوجته هدى ليست تقليدية، فهما زميلان في المهنة، وهذا يعني أن يتشاورا في كل كبيرة وصغيرة، يقول:" أستشيرها وتستشيرني، ندعم بعضنا في الاتجاه الصحيح، هدى صحفية نشيطة وأنا أدعمها في حدود أن كل منا ترمومتر للآخر".
يعمل محمد كصحفي حر ولا يتبع أي مؤسسة، وهذا بحد ذاته تحدٍ كبير لصحفي في عمره، ولديه بيت وطفلتين جميلتين، فكيف يتدبر أموره في واقع يعاني فيه الصحافيين المشتغلين بالقطعة من ضعف العائد المالي؟!.
يقول محمد:"صحيح لا أعمل بوظيفة ثابتة، ولكني كلما تطورت يصبح عملي مطلوباً أكثر"، "دخلي بحمد الله جيد، أثبتت نفسي في الصحافة الاستقصائية، وأعتقد أن تركيز الهدف يؤدي إلى الإتقان والكسب الجيد".
رغم الانشغال الدائم لمحمد بعمله الاستقصائي، لكنه يجد وقتاً كافياً لمداعبة طفلتيه الجميلتين، فهو يرى في لمياء، سنتان ونصف، صحفية في المستقبل، يضحك قائلًا:" لمياء ابنتي الأولى شبهي بالشكل، والفضول تسأل على كل شيء، فيها صفات الصحفي، لكني لن أفرض على ابنتيّ أي شيء، في المستقبل سيقرّرن ما يردن".
طموح
يطمح محمد دراسة الماجستير، كي يدرّس مادة الصحافة الاستقصائية، باسلوب جديد، وتحويل المادة لدليل تدريبي عملي ينهي الطالب الفصل الدراسي وقد أنجز تحقيقاً استقصائياً. ويحلم بإنشاء مؤسسة إعلامية متحررة من كل القيود تتبع لمؤسسة اقتصادية يمتلكها شخصياً، لا تخضع لسلطة المعلنين، ولا يرى محمد ذلك بعيداً أو مستحيلاً.
أما زوجته هدى، دخلت الصحافة صدفة، كان حلمها أن تدرس الفلسفة، ولأنها لم تكن تسعى لوظيفة في التعليم، وعجزت عن الدراسة في الضفة بسبب إغلاق المعابر، غيرت أكثر من تخصص حتى دخلت تخصص الصحافة والإعلام بالجامعة الإسلامية، حصلت في وقت لاحق على جائزة الصحافة العربية في دبي بفئة صحافة الشباب بدورتها الثانية عشر للعام 2013.
سري للغاية
لكنها لم تشأ أن تكون صحفية بالمعنى التقليدي، تقول هدى:"أحببت الفلسفة لأنها تبحث في الأسباب، أحب التفكير بعمق والبحث عن مدلول كلمة لماذا، وهذا يتوافق مع طبيعة الصحافة الاستقصائية".
لم تفكر هدى في الاستقصاء، لكنها مارسته منذ بداية تخرجها قبل أن تعرفه بالمصطلح" صحافة استقصائية"، تقول:"حين كنت بالجامعة كتبت المقالات والتقارير، بعد التخرج عملت في صحيفة فلسطين، كان مكتوباً في طلب الانضمام للصحيفة ما هو طموحك، فكتبت "أن أتمكن من انجاز تقارير تشبه تقارير يسري فودة "سري للغاية".
نفذت هدى مبكراً عدة تحقيقات في العمق، وتمكنت في تحقيق حول "سرقة الآثار" من الوصول لسارق والتحدث معه، لم تعرف حتى ذلك الوقت الصحافة الاستقصائية، حتى التقت بمحمد صدفة الذي كان قد حصل على دورة تدريبية في الأردن، وأراد نقل التجربة لغزة، جمع هدى ومحمد حب الصحافة الاستقصائية ثم تزوجا.
تقول هدى:" كتبت في العديد من الأشياء التي فيها تجاوز لما هو مألوف، لم يكن لدي خطوط حمراء، فالله وهبني العقل كي أفكر وأناقش ولدي القدرة على ذلك ثم تأتي محاذير سياسية واجتماعية لتمنعني من هذا".
خطوط حمراء
لم تواجه هدى مشاكل بسبب التحقيقات التي نشرتها، إلا بعض الملاحظات حين تتجاوز الخطوط الحمراء، لكن التهديدات التي يتعرض لها زوجها محمد تؤثر سلباً على العائلة تقول:"حين نشر التحقيق الأخير تعرض للتهديد، اتصلت في حضانة بناتي وطلبت منهم ألا تخرج البنات مع أحد، استأذنت من عملي وغادرت فوراً كي آخذ البنات للبيت، طوال الطريق كنت أشعر بالخطر، وحتى قبل يومين، نزل محمد من البيت ومعه ابنتنا لمياء لشراء بعض الحاجيات، سمعت صوت طلق ناري فاتصلت به فوراً، أشعر بالخوف الشديد نتيجة التهديدات، سبق وأن تعرض محمد للضرب المباشر وتشويه السمعة وتهديد واهانة واعتداء".
تقول هدى أن الحديث حول العمل وتفاصيله يأخذ معظم الوقت لكنها تضحك:" فترات بسيطة نقتنصها للحديث عن أنفسنا ورغباتنا وأمانينا، مهنتنا سرقت منا حياتنا الاجتماعية نوعاً ما، فنحن نستطيع ان نجد الوقت للحديث عن حياتنا وتكون أيامنا رائعة".
على عكس محمد، تجد هدى الكثير من الوقت للجلوس مع ابنتيها، فلم تحدد أي منهن يمكن أن تكون صحفية، تُفضّل أن تترك هذا لهن، رغم ميلها لأن يعملن في نفس المهنة.
تطمح هدى أن تصبح كاتبة مقال اجتماعي على مستوى رفيع، فهذا الفن الصحفي يكاد يكون مفقوداً في صحافتنا المحلية لحساب المقال السياسي، لكنها تعتقد أن حتى الموجود هو يحمل رأي وليس مقالات تحليلة نقدية. " نحن مجتمع طغت عليه الصبغة السياسية، حتى الأطفال تم تسييسهم، هناك أشياء في حياتنا يجب أن نفهمها، ألاحظها بحكم عملي، أريد أن أعبر عنها بشكل أفضل في المقال الاجتماعي".
تريد هدى ان تخرج عن إطار التقليدية، وتعمل بطريقة تعبر عن ذاتها، كما محمد يريد الصحافة كما تعبر عن ذاته.
