خان يونس- خاص نوى- إسلام الاسطل
استطاع علاء مقداد 31 سنة، أن يُحوّل نظرات سخرية الأطفال، وملاحقتهم له بسبب قصر قامته إلى نظرات حب وإعجاب، من خلال عمله كمهرج، يرسم البسمة على شفاههم، ويُفرِح قلوبهم في كل مكان يتواجد فيه.
يقول مقداد لـ نوى:" منذ أنهيت دراستي الثانوية، بدأت أفكر في طريقة ايجابية للتعامل مع قصر القامة الذي ولدت به، وسبب لي الكثير من المتاعب مع الأطفال خلال تحركاتي خارج البيت، فبدأت العمل كمهرج.
يضيف:" نظرات الأطفال والكبار تغيرت على حدٍ سواء، فالكل يبحث عن(عمو علوش) وهو الاسم الذي اعمل من خلاله مع الأطفال"
علاء تحدى واقعه ومشكلة التقزم، بالابتسامة التي لا تفارقه حتى في حديثنا معه، رغم انه لا يعمل بشكل ثابت، ورزقه على باب الكريم، يقول:" اعمل مع زميل لي، نتنقل في كل مكان يمكن أن يطلبنا فيه الناس، ومع كل المؤسسات، فأنا أعيل أسرة، ولدي طفلة، وأريد أن أعيّشها بكرامة" .
ينتقد (علوش ) الحكومات المتلاحقة التي لم تخصص لذوي الاحتياجات الخاصة مكان في الوظائف العامة، رغم إقرار قانون العمل بتخصيص نسبة 5% من الوظائف لذوي الاحتياجات الخاصة .
علوش متزوج من امرأة طويلة، أنجب طفلة طبيعية يقول:" لي ثلاث شقيقات قصيرات القامة مثلي وجميعهن أنهين التعليم الجامعي ولم يحصلن على وظيفة، الأمر الذي لا يجعلني أفكر مطلقًا في إكمال تعليمي، فجيش العاطلين عن العمل لا ينقصه واحد. يضيف مبتسمًا.
أقزام بالوراثة
مؤمن السقا، 31 سنة، ابن لأسرة طبيعية، وله 8 أشقاء وشقيقات طبيعيون ما عداه وشقيقه محمد، يقول" ورثت التقزم- بحسب والدي- من جد أمي فقد كان قزمًا".
يشكو مؤمن من التهميش الذي يعاني منه في المجتمع. يقول" أشعر أن حقنا ناقص في هذه الدنيا فقلما نجد وظائف رغم أن القانون يعطينا الحق ب 5% ، فكيف يمكن أن نؤمن مستقبلنا في ظل رفض المؤسسات توظيفنا ناهيك عن احتياجنا لتأمين صحي.
لم يكمل مؤمن دراسته، عمل لسنوات بنظام العقد بعد أن تقدم بطلب إنساني لمكتب الرئيس الراحل ياسر عرفات في حينه،
عن مدى تأثره كونه من قصار القامة يقول" في طفولتي لم أكترث، ولم أكن أشعر بأي فرق، عندما كبرت أصبحت أشعر بالاختلاف".يضيف" في طفولتي كان أصدقائي وزملائي ينادونني بالقزم، الأمر الذي كان يستفزني أحيانا". يتابع:" الآن أصبحت أكثر نضجًا وفهمًا للحياة، فالإنسان بأفعاله وليس بطوله أو قصره. "
إصرار على النجاح
أما محمد الشقيق الأصغر لمؤمن 30 سنة، يعمل موظفا حكوميا، وواجه صعوبات كثيرة في الالتحاق بقسم السكرتاريا وإدارة الأعمال يقول لـ نوى" لم تقبل الجامعة التحاقي بهذا القسم بحجة صغر اليدين، مما يعيق العمل على جهاز الكمبيوتر، ولكن مع إصراري تم قبولي في هذا القسم، ولا ينكر محمد أن صعوبات جمة واجهته في بداية التحاقه بالجامعة نظرا لاختلافه عن باقي الطلبة ويضيف " مع الوقت بدأت اعتاد على الجامعة وبدأت أكون صداقات مع طلبة الجامعة، ولا زال محمد يذكر أن الأطفال كانوا ينادونه بـ(الأزعر والقزع ) وغيرها من الأوصاف التي كانت تثير غضبه، ويستدرك رغم ذلك كان لدي تصميم على أن استمر في الخروج للمدرسة والشارع واثبات ذاتي وبأني إنسان طبيعي ويمكنني أن انجح وادرس وأصبح إنسانا فاعلا في المجتمع الذي يسخر بعض أفراده مني ومن أمثالي .
لا يخفي محمد تخوفه من الارتباط بفتاة قصيرة القامة مثله خشية إنجاب أبناء تتكرر معهم معاناته ومعاناة أمثاله من قصار القامة في مجتمع يتعامل بالشكليات، ويضيف" لا ينقصني شيء فأنا أفكر وأتعلم واعمل فلماذا تعاملوننا وكأننا قادمون من كوكب آخر؟ يتساءل محمد بشيء من العتاب .
عن أهمية العمل في حياته يقول مؤمن الذي يبلغ طوله 120سم:" يؤمن العمل لنا حياة كريمة تغنينا عن الاحتياج للآخرين كما انه يشكل دعما معنويا ونفسيا في ظل عدم تقبل المجتمع لأمثالنا، ويضحك محمد وهو يقول دائما ما يتابعنا الناس بنظراتهم في كل مكان نذهب أليه لافتا إلى أن تلك النظرات والمتابعات لم تعد تثير غضبه" .
عزلة عن المجتمع
في مخيم خان يونس يعيش محمود صافي 40 سنة، يبلغ طوله 130سم، ولم يمنعه قصر قامته من الزواج من امرأة طويلة، وينجب ثلاثة بنات وولد بينهم طفلة واحدة طبيعية وثلاثة أطفال يعانون من التقزم.
يعمل صافي آذن في إحدى مؤسسات السلطة براتب متدني، ترك دراسته مبكرا بسبب الملاحقات بالكلمات والضرب من أقرانه ومن آخرين في الشارع، ولا يزال يشعر بالألم نتيجة الاستهزاء المتواصل من الناس نظرا لقصر قامته، ويؤكد انه يعيش حاليا في عزلة عن المجتمع، يضيف" لا يمكنني أن أتخلص من ملاحقاتهم وسخريتهم رغم إني أصبحت رجلا، فهم ينظرون لنا كمدعاة للسخرية والاستهزاء، ويستهجن صافي تلك النظرة المجتمعية، يقول" نحاول أن نقول للمجتمع أننا لا نختلف كثيرا ولكن دون جدوى" .
بحسب منظمة اليونيسيف فإن نسبة التقزم بين الأطفال في فلسطين تصل إلى 10 % .
هل كان على مقداد ان يرشي المجتمع بالتهريج والابتسامة، كي يحبه ويكف عن تهميشه والسخرية منه؟، وحتى يعمل السقا ان يرسل كتاب انساني للرئيس مراعاة لظروفه التي لا تعيق عقله عن التفكير والعمل!.
