غزة... فسحة بين موتين
تاريخ النشر : 2015-01-14 14:58

غزة-خاص نوى- ديانا المغربي

"تبدأ بحرب وجنازة وتنتهي بحرب وجنازة" رواية "حياة معلقة" للفلسطيني عاطف أبو سيف، ترشحت مؤخرا لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية( البوكر) في دورتها الثامنة للعام 2015، من بين 180 رواية ينتمي كتّابها الى 15 دولة عربية، ضمن قائمة ال 16 رواية التي صدرت خلال الاثني عشر الماضية.

تشبه الرواية غزة، بل هي غزة بكل شخوصها ومساحات حدادها وحزنها، ترصد التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية فيها على مدار العشرين سنة الماضية.

جائزة (البوكر)، تأسست 1968، من أهم الجوائز الأدبية المخصصة للأعمال الروائية باللغة الإنكليزية. تُمنح لأفضل رواية كتبها مواطن من المملكة المتحدة أو من دول الكومنولث أو من جمهورية إيرلندا. ولها فرع يهتم بالرواية العربية، أطلقت في أبو ظبي في أبريل 2007 بعد تعاون وتنسيق بين "مؤسسة بوكر" و"مؤسسة الإمارات" و"معهد وايدنفيلد للحوار الاستراتيجي"، يُحكّم الأعمال المقدمة نخبة من النقّاد والكتّاب والأكاديميين، ويتغيّرون كل سنة بغية الحفاظ على صدقية الجائزة ومستواها.

واقع مؤلم

تدور احداث الرواية حول حياة الحاج نعيم، المولود في الحرب (نكبة العام 1948) خلال هجرة أسرته من يافا، ويسكن مخيم قرب غزة، هو في الأساس صاحب مطبعة، اعتاد منذ عقود على طباعة ملصقات الشهداء، ذات يومَ أثناء توجهه إلى مطبعته أصيب بقذيفة من الاحتلال الإسرائيلي، فيموت في الحرب، وكأن حياته محصورة ما بين حربين!.

 صدرت الرواية للروائي عاطف ابو سيف المقيم في غزة، قبل عدوان  يوليو 2014 على قطاع غزة، عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية (عمّان)، يقول أبو سيف لـ نوى" لقد صدرت الرواية بأيام قليلة قبل العدوان، وحتى هذه اللحظة لم احصل على أي نسخ من هذه الرواية".

ويضيف" لم تكن جائزة "البوكر" في خاطري، وبالذات لرواية "حياة معلقة "، والتى لم اشاهد غلافها الا عبر صفحات التواصل الاجتماعي، فقد رشحها الناشر أحمد أبو طوق دون إبلاغي، وسعيد بكونها ترشحت للفوز لجائزة مهمة كالبوكر" .

يستعرض الروائي ابو سيف من خلال روايته التطورات والتحولات الحاصلة في غزة في العقدين الأخيرين، على المستويات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وغيرها، فينقل الصراع داخل المخيم، عندما يعود ابن الشهيد نعيم المقيم في الخارج، والذي لا يمكن له أن يتخيل تحوّل والده إلى ملصق، ثم يبدأ الكاتب بعملية رصد تختزل تحول الإنسان إلى رقم، أو مجرد كلمة أو شعار على جدار، أو صورة معلقة عليه، لتنفتح الحارة داخل المخيم على أزماتها، وتظهر الشخصيات المختلفة.

ترشح الرواية بظروفها، وظروف غزة هذه، تعكس واقع الأدباء والمثقفين الفلسطينيين المؤلم عمومًا، وما يعانونه من عزلة عن العالم، يقول أبو سيف" جميعنا نُدعى الى معارض كتب وفنون تشكيلية، ومؤتمرات، ولا نستطيع تلبية الدعوة بسبب الحصار واغلاق المعابر"، " نعيش ازمة تفاعل ممتدة على المستوى الوطني، فليس هناك أدنى تفاعل بين ادباء غزة وادباء الضفة وادباء أراضي 48 بسبب الاوضاع السياسية، وربما غياب المؤسسة الجامعة لنا جميعا."

عدا عن العزلة، فإن غياب دور النشر وعدم امكانية الطباعة داخل القطاع، اشكالية اخرى تواجه الأدباء، سيما الشباب، يضيف أبو سيف" هناك مئات الاعمال الادبية والشعرية والروائية التي لم تجد طريقها الى النور، علاوة على غياب المؤسسة الرسمية بشكل كامل عن واقع الادباء واحتياجاتهم ومتطلباتهم، نظرا لحالة الانقسام المؤلمة التي تعيشها كل قطاعات الحياة وتتأثر فيها".

نعيم ويافا

لـ" حياة معلقة" ثلاثة أبطال، الأب الشهيد نعيم، والابن، والحاج المبروك، الذي كان أول من سكن التلة قرب المخيم، ومع وفاة الحاج تقرر السلطة السياسية بناء مسجد كبير في تلك التلة بعد السيطرة عليها، وهنا يبرز الصراع ما بين أهالي المخيم دفاعاً عن قداسة هذه التلة، وما بين السلطة، خاصة بعد أن يتم اكتشاف أن المنوي بناؤه ليس مسجداً فحسب، بل سوق تجارية ضخمة بالأساس تضم مجمعات ومباني عملاقة ومركز شرطة عملاقا، في مشهد ينتهي بصراع ميداني على التلة، وكأنه يحاكي حالة الانقسام الفلسطيني.

يقول ابو سيف " استغرقت كتابة الرواية تسع سنوات، كونها من الروايات الحقيقية التي تتحدث عن واقع مجتمع، وفى كثير من السنوات تمردت على شخصيات الرواية واقعيتهم المتعبة، يضيف" إن حالفني الحظ في السير نحو القائمة القصيرة للروايات فهو أمر عظيم، وإن لم يحالفني فيكفي أنها وضعت على قائمة الروايات المهمة لهذا العام، خاصة أن حياتنا في غزة وفي فلسطين عموماً، هي كما الحال في الرواية، فسحة بين موتين.

يتابع:" كتبت الرواية دون أن أضع في ذهني أي حواجز، أو أن أفلت العنان للرقيب الداخلي ليسطّر خطوطه الحمر، تحمل الرواية نقد كبير للسلطة السياسية، والتحولات التي عايشتها غزة في العشرين سنة الماضية"، وانحيازي لغزة و إن كان المكان ملتبساً كما هي شخوص الرواية، ما همني كان هو التمكن من رصد هذه التحولات من جهة، ومن جهة أخرى التأكيد على أن في غزة كتاباً ومبدعين، وليس فقط ضحايا حروب مستمرة.

الغريب في الرواية انها تبدأ بحرب وتنتهى بحرب، وفى تفاصيل بدايتها جنازة وفى تفاصيل نهايتها جنازة ايضا، ويلملم فيها الكاتب حكايات سكان المخيم كصيّاد ماهر يأبى ان يخرج الى الواقعية بمنظور حقيقي للمجتمع، اسماء الرواية جاءت من اشخاص يحبهم  فـ"نعيم" البطل استقاه الكاتب من اسم شقيقه الشهيد بينما البطلة "يافا" استقاه الكاتب من اسم بلدته الجميلة يافا ومن اسم ابنته الكبرى.