عائلات منكوبة في الزنة: الإعلام لا ينقل معاناتنا
تاريخ النشر : 2015-01-13 14:50

غزة-خاص نوى-ميرفت ابو جامع

حتى في الدمار هناك محاباة، فالمسؤولون الدوليون الذين يزورون غزة، بين فينة وأخرى، يذهبون إلى الأماكن القريبة من مقرات اجتماعاتهم، كحي الشجاعية، أو حتى التي يمرون منها وهم قادمون من معبر بيت حانون، شمال القطاع. لكن، جنوبا، حيث منطقة الزنة، في خانيونس، التي يفتك بها البرد بعدما قتلتها الحرب... والإهمال والتهميش. لا أحد يطل عليهم، ولا مسؤول يزورهم. آثر الناس هنا أن يعودوا إلى بيوتهم ولو كانت سقوفها مفتوحة إلى السماء، حفاظا على كرامتهم، لأن أحاديث التقدير والبسالة في صد العدوان، وإن رفعت معنوياتهم مقابل ما خسروه، فإنها لم تقهم النتائج الكارثية للحرب.

«احنا زي السمك ما بنقدر نغادر بيوتنا... ما بدنا شي إلا الاعمار»، تقول أم عدنان من داخل بيت آيل للسقوط. الأم الأربعينية حولت غرفة نومها إلى مطبخ صغير، وتنام وأسرتها الصغيرة (عدنان 5 سنوات، ورغد 9 سنوات، وزوجها) في غرفة مساحتها تسعة أمتار مربعة. غطى زوجها إحدى نوافذ الغرفة بالنايلون الرقيق، لكن الجدران المتشققة بقيت على حالها. تضيف المرأة: «كل شيء صار مكشوف، وما بنشوف إلا البيوت المدمرة»، مشيرة إلى أن اللجان المسؤولة عن حصر الأضرار سجلت بيتها على أنه لا يصلح للسكن ويجب إزالته.

الزنة، التي ذاع اسمها في نشرات الأخبار، تأتي إلى الشرق من مدينة خان يونس، وهي جزء من بلدة بني سهيلا. كان شغل أهلها المجاورين للحدود مع الأراضي المحتلة فلاحة الأرض وتربية الطيور والحيوانات، والجزء الباقي يبيع الخردوات.

في العدوان الأخير (تموز وآب الماضيين) كانت الزنة بؤرة للمعارك، إذ تقدمت الآليات العسكرية الإسرائيلية إلى مسافات كبيرة مقتربة من وسط بلدة بني سهيلا، فأتت على معظم البيوت هناك بالقذائف والتفجيرات، ما دفع أهلها إلى النزوح عنها واللجوء إلى وسط البلدة.

أم عدنان فقدت طفلتها رهف تلك الأيام، وهي الآن لا تخفي تخوفها على طفليها عدنان (توأم رهف) ورغد اللذين أنجبتهما بعد عملية زراعة أنابيب إذ تأخرت عن الإنجاب 15 عاما. تتابع شكواها: «بعد أن كان البيت يتسعنا، أصبحنا في غرفة واحدة دون كهرباء معظم الوقت أو وسائل للتدفئة... أطفالي يخافوا من العتمة وصوت الرياح والرعد».

الوجع نفسه يتكرر لكن بصورة أخرى، فقصة أم أحمد أبو جامع لا تقل ألما، إذ أخذت منها الحرب بصرها، وهي لا تملك ثمن العلاج لعيونها. تجلس في بقايا بيت هدم جزء كبير منه ما جعله لا يصلح للسكن. تعيش مع زوجها وابنها وزوجته وطفليهما معا، وتتخذ من بقايا صالون البيت مكانا للسكن، لكن السقف مفتوح للسماء. وفي المكان نفسه، تجاورهم بعض أدوات المطبخ وغاز تصنع زوجة ابنها عليه الطعام للأسرة.

وبعد فقدان البصر، صارت تمسك ابنتها بيدها، وتساعدها في تحسس طبق الطعام، ثم تواصل الأكل معتمدة على حاسة اللمس. تقول: «ما بقدر أتحرك إلا برفقة حدا... بتصعب علي نفسي، بيتي اتهدم وابن بنتي استشهد وفقدت عيوني»، مضيفة: «زارني اخوي قلتله نفسي شوفك شو لابس وكيف صرت... تخنت ولا نحفت... صار يبكي ع حالي».

رفض الطبيب المعالج لأم أحمد في مستشفى غزة الأوروبي تسجيلها مصابة في العدوان، كما تقول، لأنها في الستين من العمر وزوجها كبير في السن لا يعمل، فاكتفى كاتب التقرير بتدوين إصابتها بالعمى نتيجة جلوكما مزمنة. تتابع: «كنت ارى بعين واحدة، كان نظري جيدا، أثناء تهجيرنا من الزنة تحت أصوات القنابل وروائح الغازات التي رمتها عليهم الطائرات وقذائف الدبابات الإسرائيلية فقدته».

وتروي المرأة الكبيرة أنه في ذلك اليوم قطعت مسافات طويلة مع عائلتها سيرا على الأقدام، إلى أن وصلت وسط بني سهيلا، حيث يسكن أقرباؤها... «في الطريق ضباب كثيف غطى على عيوني بعدها فقدت الرؤية». هذه العجوز تجلس وهي تحدثنا على سرير نجا بعد تدمير كل أثاث البيت. تستمر في عتابها على الأطباء الذين وصفوا لها خمسة أنواع من الدواء غالية الثمن، ولا تتوافر في صيدليات وزارة الصحة. تقول: «صرفت كل ما املك على علاج عيوني لعلي استرجع نظري لكن الأطباء أكدوا أن عصب العين ضرب وشفائي صار بيد رب العالمين».

بالانتقال إلى خيمة مجاورة، وبجانبها حمام صغير مستور بألواح الزينكو، تجلس مزيونة على كرسي بلاستيك. تبدو امرأة طيبة جدا، وسرعان ما قالت: «بيتي انهدم ما ضل الي شيء حتى ملابسي وأوراقنا ما قدرنا نطلعها... أعطتنا مؤسسة نايلون وعملنا خيمة»، متمنية لو أنها ظل في المنزل غرفة على الأقل.

كسابقاتها تعاني مزيونة من المرض، وخاصة الضغط والسكري. خلال العاصفة الأخيرة كادت الخيمة أن تخلع. تتابع المرأة: «كل الخيمة رطوبة وجسمي ما بتحمل... ياريت ظل إلي سرير أنام عليه»، مضيفة: «حياتنا هنا عذاب، فمرة قرصني عقرب.... بنتي الكبيرة صرخت في الليل لقت بسة نايمة جنبها من البرد».

وكما باقي المناطق، يشكو الناس هنا من أن المؤسسات تأتي لتصويرهم ثم تغادر دون مساعدة، أو تقدم مساعدات لبعضهم فقط، كمعلبات الحمص والفول.

في إحدى البيوت المهدومة، التي يستحيل أن يكون فيها حياة، فإن علاء أبو جامع وزوجته وطفله الرضيع منذر (شهر) يعيشون هناك. في الحادية عشرة صباحا، كانت الأسرة لا تزال نائمة على غير عادتها، لكن البرد أجبرهم على التأخر في الاستيقاظ. مع تسلل أشعة الشمس إليهم، استيقظ علاء، وسارع إلى تسريح شعره أمام مرآة يكسوها الأتربة والغبار. يقول: «في هذه الغرفة ننام وطفلي وزوجتي... فقدت في الحرب منزلي وجميع أثاثه، وحتى التوكتوك الذي كنت أعتاش منه ببيع الخردوات.... مللت التنقل في مدارس النازحين وأهدرت كرامتنا فيها... نفضل أن نعيش في هذه الغرفة التي غطيتها بقطعة من النايلون القوي». أما زوجته، فتتخوف من أن تفقد رضيعها في ظل البرد الشديد والعتمة كما حدث مع كثيرين، متمنية أن تنتهي هذه المعاناة قريبا.