اختلاف الرأي يُفسد كل الوّد في غزة
تاريخ النشر : 2015-01-04 13:28

غزة-خاص نوى-سمر عليوة

"أنا أؤمن بالحوار.. تناقشنى أناقشك وتجادلنى أجادلك وتحاورنى أحاورك لكن تختلف معى أذبحك" مقولة الكاتب المصري الساخر جلال عامر ، تلخص حال الكثير من اهالي غزة المنقسمين على حالهم بفعل السياسة وعوامل أخرى، حتى باتت هذه الصورة تُرى في كل حواراتهم الافتراضية والواقعية التي تأتي على كل الود وتفسده.

المواطنة إيمان في منتصف العشرينات من عمرها، تغرق في لحظات صمت وتوتر لدى بدء تلقيها تعليقات شتائم حادة واستنكارات، عقب كتابتها منشور على صفحتها عبر فيسبوك يحمل رأيها في حزب ما في قطاع غزة.
وتقول إيمان عن هذا الموقف لشبكة (نوى) إنها عانت من اضطراب بالغ على أثر الهجوم الكلامي، وكانت تنتابها عصبية وغضب عوضًا عن مقاطعة الكثير من أصدقائها لها، ليس عبر الموقع الافتراضي فيسبوك فحسب، بل أصدقائها على أرض الواقع.
تضيف أنها ولدى حديثها هاتفيًا مع أصدقائها لاقت عتابًا كبيرًا، شعرت على أثره بأن ضميرها بدأ يؤنبها، وأنها ستفقد أصدقاء مقربين منها، مشيرة إلى أن فهمها لتقبل الرأي الآخر ساعدها على استعادة أصدقائها والاعتذار لهم.
                                        الاختلاف وغياب الفلسفة
وأكثر ما يزعج إيمان، أنها باتت تتجنب في أغلب الأوقات التعبير عن رأيها في أحداث الشارع وتجاوز الحديث عنها، وهو ما شكّل لها شخصية أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي بخلاف الشخصية التي بداخلها.
يرجع الأخصائي التربوي الدكتور في جامعة الأزهر بغزة محمد أغا سبب الاختلاف إلى" عدم وجود فلسفة واضحة، التي يجب أن تستمد من طبيعة المجتمع"، مشيرًا لثلاث فئات مختلفة تظهر في المجتمع في الأزمات، الأولى: فئة متشددة متطرفة، وتتعامل مع المجتمع بشدة، وفئة تتبع مصالحها، والأخيرة فئة بسيطة في الفهم وفي التعامل وهي غالبية الشعب.

ويوضح أغا أن هناك دور كبير يقع على عاتق المؤسسات التربوية النظامي منها وغير النظامي كالأسرة والإعلام والنادي والمدرسة في تحديد ميول وسلوكيات الأبناء.
ويعرف الاختلاف على أنه التباين في الرأي بين طرفين أو أكثر، بسبب اختلاف الوسائل النابع من تفاوت أفهام الناس أو تباين مداركهم.
بشأن التعامل مع الاختلاف في الرأي بين الناس وكيفية احتوائها، يشير أغا إلى أنه من الضروري التعاون معاً من أجل الحد من ظاهرة التطرف الفكري الذي تشهده الساحة الفلسطينية حاليًا، ومحاولة إيجاد فلسفة تربوية وترسيخ مفهوم الوحدة في نفوس الأبناء. ويشمل تعاون المؤسسات والمنظمات الأهلية مع أفراد المجتمع وعدم تسييس وسائل الإعلام المؤدية قولبة الأشخاص في فكر محدد، إضافة إلى حتمية التركيز على الجانب التطبيقي في المفاهيم المعرفية لاحتواء الآراء المخالفة بما في ذلك عصف ذهني وتجديد وابتكار، بحسب أغا، الذي يؤكد تحقيق الانتماء الوطني والرقي بالمجتمع، إضافة لانفتاحه على العالم بشكل إيجابي.
                                           تأثيرات إيجابية وسلبية
فيما يتعلق بالخلافات الحزبية بين أبناء قطاع غزة، يقول أغا إن الوحدة الوطنية هي السبيل إلى احترام المجتمع الدولي للفلسطينيين، وأن تحقيق التنمية يتطلب الشراكة، موضحًا: "إضعاف أي فصيل سياسي بدوره أن يضعف باقي الفصائل بالتالي إضعاف للثورة الفلسطينية في وجه المحتل".
تعتقد الطالبة ريما، أن الاختلاف لو كان بتقبل الآراء سيكون بنّاء، يساعد في حل كثير من الأمور، وتقول: "استمع إلى جميع آراء أصدقائي وأقاربي أثناء مناقشة موضوع معين، وأتفهم جيدًا وجهات النظر جميعها، حتى يتفهم الآخرون وجهة نظري عندما أبدي رأيي".
وبنبرة غاضبة، يقول محمد في العشرينات من العمر، أنه لا يحب الحديث مع من يخالفه الرأي والسلوك، خاصة إذا كان الحديث حول الفصيل السياسي الذي ينتمي إليه، مضيفًا:" أيًا كان الشخص الذي يناقض انتمائي الحزبي، لا أتحدث معه وربما أخاصمه إلى أن يعتذر لي، ولا يعاود مجادلتي فيما لا أرغب".

وبحسب الأخصائي الاجتماعي والدكتور في جامعة الأزهر بغزة ناصر مهدي إن طبيعة الحياة في المجتمع الفلسطيني التي يعيشها، تؤثر على كافة المنطلقات الاجتماعية، ويكون تأثيرها إما بالإيجاب وإما بالسلب على شكل العلاقات الاجتماعية بين الناس.
ويوضح مهدي بعدما اعتدل في جلسته وألقى القلم على المكتب ورفع حاجبيه، إن التفرقة والتفتت الموجود بين الناس سببه الأبرز الوضع السياسي الراهن الذي ينعكس على الحالة الاجتماعية بين الناس، إضافة إلى مشكلة عدم القدرة على الاندماج في المجتمعات الأخرى علاوة على الهجمات الإسرائيلية بين الحين والآخر.

                                               الفلسطينيون قديمًا
ويستحضر مهدي المجتمع الفلسطيني قديمًا يقول" إن حياة الناس كانت بسيطة مما جعل الخلاف بينهم بسيط على الرغم من أن الفلسطينيين كانوا تحت احتلال، وشهدوا الكثير من القتال، لكن هذا لم يمنع الناس من التعايش مع بعضها البعض والتواصل مع بعضها البعض وكأنها واحد.
يضيف مهدي "أن ما يعاصره المجتمع الآن من تكوينات معقدة من حيث التكنولوجيا وعدد السكان وغيرها جعل الاختلاف متعمق معقد.
ويشير إلى أن تناقض الآراء بين الأفراد أمر حتمي وطبيعي، وليس من السهل على الفرد تقبل التناقضات الأخرى، ويضيف قائلًا:" علينا إصلاح ما هو حاضر، وتعزيز التنشئة الأسرية الصحيحة، وتمسك الناس بإرادتهم في التغيير وعدم الرضى، إلا بما هو أفضل وصالح لهم ولمجتمعهم".