بقلم - محمود الغيطاني
إذا ما حاولت تأمل العالم الإبداعي للروائي السوري خليل النعيمي ربما تتداخل عندك التساؤلات التي سُتترى على ذهنك كثيرا، هل هو فيلسوف بدرجة روائي، أم هو روائي بدرجة فيلسوف، ربما تظنه أحيانا مجرد رحالة يجوب العالم، ثم يجتره مرة أخرى؛ ليصيغه بالشكل الذي يراه هو، لكنك بالتأكيد ستلاحظ أنه ليس بهذا الرحالة الذي يجوب أرجاء المكان فقط، بل هو يرحل أيضا داخل النفس البشرية، يرحل داخل الزمان نفسه، هو يرتحل في كل شيء؛ ليخرج لك في النهاية برواية مختلفة لا يمكن أن تخص أحد سوى النعيمي نفسه، الذي يتخذ من ذاته دائما أداة روائية، حتى أنك لتظن أنه يكتب سيرته الذاتية طول الوقت.
رغم أنه لا يفعل ذلك بقدر ما يتخذ من ذاته أداة روائية يعمل عليها بجد ودأب.إنه النعيمي الذي فضل الهروب من جحيم الوطن إلى نعيم الغربة- التي لا يراها غربة-، ليظل فيها ممارسا للطب كجراح يعيش في باريس، ومشاركا للروائية السورية سلوى النعيمي هذه الحياة التي تخصهما وحدهما، ولعل اقتران الاثنين ببعضهما البعض كزوجين يُعد حالة فريدة من حالات الاقتران في الوطن العربي بين اثنين يكتبان الرواية، قد نلحظ بينهما بعض العوامل المشتركة كالإيروتيكية، والوضوح فيما يرغبان في الحديث عنه، وإن كان كل منهما في نهاية الأمر يختلف عن الآخر تماما في اتجاهه الروائي، وعالمه، وفلسفته التي ينطلق منها.حاول النعيمي دائما النزوح داخل ذاته، وداخل الإنسان بشكل مطلق.
ولذلك كان هذا النزوح/ الرحلة الطويلة داخل الشخصية العربية، هو ما أدى إلى كتابته لروايته المهمة "تفريغ الكائن"، هذه الرواية التي تؤكد أيما تأكيد أن كل من ينتمي للإنسانية ليس إلا مجرد كائنا في نظر الأنظمة السياسية السلطوية، التي تعمل جاهدة على تفريغ هذه الكائنات من أجل أن تصوغهم تبعا لما تراه هي؛ ولذلك يمسي الإنسان في نهاية الأمر مجرد "كائن" تم تفريغه تماما مثلما رغب الآخرون له أن يكون.منذ بداية النعيمي في كتابة الرواية وهو الكاتب الذي ينتقد السلطة العربية بالكامل، والسياسات القمعية الحكومية التي تتم ممارستها من قبل الجميع، كما كان هو الكاتب الذي يكتب دائما بجرأة يُحسد عليها؛ نظر لإيمانه الدائم أن الكاتب لا سقف له من الممكن أن يمنعه عن التعبير والحرية فيما يريد أن يقدمه؛ ولذلك حينما قدم خليل روايته الأولى "الرجل الذي يأكل نفسه" صودرت الرواية في سوريا بمجرد صدورها، ومن هنا تأكد للنعيمي أنه سيكون الروائي المُصادر، والممنوع دائما؛ لاسيما وأن ديوان الشعر الوحيد الذي كتبه- صور من ردود الفعل لأحد أفراد العالم الثالث- والذي صدر قبل هذه الرواية قد صودر أيضا بمجرد صدوره، وهو الديوان الذي يصفه النعيمي بقوله: لقد تضمن شعراً جلفاً ومباشراً واستفزازياً.في روايته "القطيعة" وصل جموح النعيمي الروائي إلى درجة أنه قد افتعل قطيعة حقيقية بين كتابته الروائية وبين جنس الرواية العربية بالكامل.
حتى أن القارئ غير المتمرس قد لا يستطيع استكمال هذه الرواية التي لا تمت إلى عالم الرواية وتقنياتها المعروفة في شيء، ولكن مع التمرس على القراءة سيتكشف لنا أنه يخط لنفسه عالم روائي مختلف تماما، لا يرى فيه سوى الحرية التي لابد أن تكون متاحة طول الوقت للروائي، سواء على المستوى السياسي، أو النفسي، أو الإبداعي، فمن حقه كروائي أن يبني العالم الروائي الذي يخصه، وليس المفروض عليه؛ ولذلك كانت روايته المهمة "الخلعاء"، كذلك روايته "مديح الهرب" التي يروي فيها جزءً من حياته، والتي يمتدح فيها فعل الهرب من الوطن الجحيمي، والجيش كما فعل النعيمي نفسه.
وسبق أن هرب من التجنيد في الجيش السوري.ربما نتيجة كل هذه الفلسفة التي يراها النعيمي سنلاحظ أن هناك ثمة رابطا قويا يربط بين ما يكتبه هو، وما تكتبه زوجته الروائية سلوى النعيمي، رغم الاختلاف البين في المنطلق الروائي، والسياسي، والأيديولوجي لكل منهما، وهو الرابط الإيروتيكي في الكتابة الذي يرى دائما أنه لابد من أن يكون المبدع ممتلكا لكل الحرية التي تمكنه من قول كل ما يريده من دون وجود أي قيود تمنعه من التعبير، لكننا سنلاحظ أن الجانب الإيروتيكي عند خليل يتميز بشكل من التأمل الطويل الذي يكاد أن يقرب من التأمل الفلسفي، والألفاظ الصريحة الصادمة، التي تحاول التعري التام من التجمل.
مجلة البوابة الأسبوعية
