محمود شوبكي ومؤمن عتيق
جنين- نوى (خاص)
خضرة دائمة وبساتين مما لذ وطاب، وطيور تغرد في الأجواء، هناك يهبط الجمال الطبيعي من برجه العاجي، لكن هذا الجمال الخلاب لم يسلم من منغصات الإجراءات الإسرائيلية، وتعكير صفوه بغلاء الأسعار التي تتأرجح صعودا للأعلى وأصبح من المستحيل لها أن تنخفض.
سهل بلدة برقين الواقعة إلى الغرب من مدينة جنين شمال الضفة الغربية يعاني الأمرين و يفقد نضرته تدريجيا، و يبلغ طول السهل 10 كيلو مترات ومتوسط عرضه 3 كيلو متر و تبلغ مساحته زهاء 32 كيلو، ويعتبر أحد السهول التي تشكل سلة الغذاء للمواطن الفلسطيني.
السماد وندرة المياه مشكلات متكررة
خلال مسيرنا في السهل وصلنا إلى أحد البيوت البلاستيكية، وكان صاحبه جاسر السعدي (أبو فرحان) منهكا في إصلاح جراره الزراعي، وما إن سألناه عن الزراعة وأحوالها في السهل حتى جلس على دولاب جراره وبدء يشكي همومه المكبوتة داخله وكأننا بعثنا إليه من السماء، واستهل سعدي حديثه عن السماد وغلاء أسعاره قائلا: "السماد اليوم من الأساسيات في الزراعة، ولا يمكنني الاستغناء عنه حتى لو كان بأسعار مرتفعة".
ويتابع السعدي حديثه مؤكدا أن المعضلة الكبرى التي يعاني منها المزارعون في السهل بشكل عام هي قلة المياه التي تشكل تحديا كبيرا لهم، وفي نفس السياق قال السعدي أن حل مشكلة المياه بيد السلطة ووزارة الزراعة التي اشتكوا إليها مرارا وتكرار، ولكن الحجة المعتادة التي مللنا من سماعها أن الوزارة تعمل على مشروع نقل مياه لهم من منطقة طولكرم ولا حياة لم تنادي.
وانتقل السعدي للحديث عن مشاكل أصحاب البيوت البلاستكية ومنها قلة الأسعار التي قال عنها " وصلت الأربعين يوما وأنا اقطف ثمار الخيار وإلى اليوم لم أجمع ثمن الشتل الذي زرعته، فأنا أبيع صندوقا بسعر 8 شواقل في حين أن أبسط دواء يحتاجه النبات يبلغ ثمنه 100 شيقلا "
وأرجع السعدي قلة أسعار المحاصيل الزراعية إلى عدم وجود سوق فلسطيني يستوعب هذه المنتجات من جهة، واعتمادهم على السوق الإسرائيلي من جهة أخرى.
ويؤكد السعدي انها وأثناء الحرب الأخيرة على غزة تراجعت أسعار المحاصيل بشكل كبير جدا وحسب تعبيره "لم تقم للسوق الفلسطيني قائمة" .
وفي حديثه عن المؤسسات التي تقدم خدمات للمزارعين تطرق السعدي إلى مؤسسة برقين التعاونية التي تقدم في بعض الاحيان مساعدات لهم، أما بلدية برقين فحدث ولا حرج، وكأنهم ليسوا منا ونحن لسنا منهم.
تصدير متعثر للمنتجات الزراعية
أما مدير جمعية برقين التعاونية أحمد جابر علاونة ومالك أحد محال بيع الأسمدة فأكد أن المشكلة الكبيرة التي يعانون منها هي مشكلة التصدير في المقام الأول و الأخير، وأن الأسعار في السوق الفلسطيني متدنية ولا تحصل ثمن الشتل الذي يزرعونه فعمليا "المزارع الفلسطيني يدفع من جيبه."
وعرج علاونة للحديث عن الزحف العمراني على السهل والذي قلص مساحته بشكل كبير مؤكدا أن حل هذه المشكلة بيد الحكم المحلي ووزارة البيئة.
ويضيف علاونة:" نحن في النهاية مزارعين لا نستطيع منع أحد من البناء في أرضه."
ويؤكد علاونة أن العمل في السهل يعتمد على الاستثمار بدرجة كبيرة؛ إذ أن المزارع الذي يمتلك العديد من الدونمات لا يزرعها بيده بل يعهد بها إلى بعض العائلات مقابل حصة من الأرباح.
وذكر علاونة بعض المؤسسات التي تقدم ما تيسر من الخدمات للمزارعين بشكل شحيح جدا وغير دوري و منها (مؤسسة كير الزراعية ومؤسسة الإغاثة الزراعية ).
وانتقل علاونة للحديث عن المياه بقوله: " نحن نعتمد في زراعتنا على مياه الآبار، والمرخصة منها بلغ عددها 15 بئرا، وأنها أنشئت على يد السلطات الأردنية ولم تعد تكفي للشرب. " ويضيف:" إن حل هذه المشكلة ليس بيد السلطة الفلسطينية إنما بيد إسرائيل التي لا تسمح لهم بحفر أبار لضخ ما يقارب 200 إلى 300 متر مكعب من المياه.
وفي خضم الحديث وصل المزارع عماد مصلح الذي وصل لشراء بعض الأسمدة فلفت انتباهه موضوع الحديث، وسألنا بسخرية مرتسمة على وجهه هل رأيت مزارعا مليونيرا ؟ بالتأكيد المزارع إما يتدبر أموره وإما أن يكون مدانا بمبالغ ما بين 15 إلى 20 ألف شيقل كحد أدنى.
ويتابع: "لأنه عمليا لا يوجد حماية لا للمزارع ولا لسلعة فالوسيط الذي يتفق مع المزارعين على سعر معين للشراء يعود بعد بيع المحاصيل ليقول خسرت، فيخرج المزارع بعد عناء وشقاء طال لأشهر خالي اليدين، وهنا يأتي دور وزارة الزراعة في حماية المزارع."
ويضيف مصلح: "بالنسبة للمشاريع التي تأتي من الدول المانحة فأغلبها لا يصل وذا ما حصل ووصل أحد هذه المشاريع فإن المقاول يحسب نصف مبلغ المشروع لصالحه ويخرج المزارع وكأنه لم يصله شيء".
أما الحاج محمد سعيد (أبو جهاد) الثمانيني العمر فكان يجلس أمام غرفة صغيرة بجانب أرضه ويراقب أغنامه، وتجاعيد الزمن ظاهرة على وجهه حاملة في طياتها ألف حكاية وحكاية فقال:" انه بالرغم من قلة الموارد واعتمادهم في الزراعة على أدوات بسيطة ألا أن الزراعة في السابق كانت أفضل من اليوم؛ إذ كنا في الماضي نعتمد على السماد العضوي الذي لم تكن له أي أثار جانبية، أما الآن فالمزارعين يعتمدون بشكل كبير، ونستطيع القول بشكل أساسي على السماد الكيماوي الذي سرعان ما تظهر أثاره على النباتات، أي أن الثمرة الصغيرة بعد يوم أو يومين تصبح قابلة للقطف.
وانتقل أبو جهاد للحديث عن جمعية برقين التعاونية لمساعدة المزارعين والذي كان من أحد المؤسسين لها في ثمانينيات القرن المنصرم، والتي كان يقدر رأس مالها بمليون دينار أردني، وكانت تحصل على مساعدات تقدر ب بمليون ونصف المليون سنويا، أما اليوم فيكاد لا أحد يتذكرها.
البناء العمراني والتربة، والحرارة مشاكل إضافية
وعندما سألنا أبو جهاد عن مشكلة المياه تبسم وقال : ببساطة مشكلة المياه تفرض على المزارع المقتدر الذي يستطيع أن يزرع ما يقارب 50 دونم من الأرض أن يكتفي بزراعة 20 دونم، لأنه لا يوجد مياه تكفي لجميع المزارعين، أما بالنسبة للبناء في سهل فعارضه الحاج أبو جهاد وبشدة، وقال:" إن البناء في السهل كان من قبل المستثمرين الذين استطاعوا الحصول على تراخيص بطرق شرعية وأخرى غير شرعية وإن حل مشكلة الزحف العمراني على السهل بيد وزارة الزراعة أولا و أخيرا.
أما المزارع أحمد عماد أبو مصطفى فعرج في حديثه لنا على التربة وما تعانيه من مشاكل التي زادت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، ومنها مرض (البزارييوم) الذي يحتاج علاجه إلى تعقيم التربة قبل زراعتها، وكل عملية تعقيم تحتاج إلى مبلغ مابين 500 إلى 1000 شيقل.
ويضيف أبو مصطفى، المشكلة الأخرى التي نعاني منها هي عدم وجود أسواق تستوعب منتجاتنا، ويتابع:" بالنسبة لهذه المشكلة فقد قمنا بحلها بجهود شخصية من قبل المزارعين بإنشاء بيت تعبئة لتصدير المنتجات، لكن إسرائيل قامت بوضع العراقيل من جديد أمام التصدير الأمر الذي يؤدي إلى تلف المنتجات قبل وصولها إلى الأسواق."
ويؤكد أبو مصطفى أنه وفي المواسم الأخيرة واجهتهم مشاكل جديدة من نوعها متمثلة في البرد القارص والحر الشديد الذي أودى بخسائر مادية كبيرة.
من جهته قال المهندس الزراعي محمود عتيق من سكان بلدة برقين أن الزراعة في السهل تواجه الكثير من الأمراض والآفات الزراعية التي تحتاج إبادتها إلى مبالغ يصل متوسطها الحسابي من 500 الى 1000شيقل، ومنها مرض( الفيزاريوم ) الذي يصيب التربة و مرض( نمتدوا) بالإضافة إلى أمراض تصيب النباتات نفسها ومن أكثرها (البياض ألدقيقي والبياض الزغبي والفحة المتأخرة )، مشيرا أن المزارعين يعانون الأمرين بسبب هذه الإمراض.
أما مدير بلدية برقين سعد خلوف فلم نستطع مقابلته في زيارتنا المتكررة، ولا نعرف هل كانت يتجاهل المقابلة معنا في شبكة نوى أم انه لم يكن موجودا فعلا، ورغم ذلك استطعنا أن نتحدث إليه عبر الهاتف، وخلال حديثنا رفض إعطائنا أية معلومات عن السهل و المشاكل التي يعاني منها المزارعون قائلا بلهجة غلب عليها الغضب " نحن لا نواجه أية مشاكل "
وهنا يبقى السؤال الذي يطرح نفسه لماذا أنكر خلوف المشاكل التي يعاني منها المزارعين؟ وهل من حل قريب يلوح في الأفق ليرفع القليل عن كاهل المزارعين؟ أم أن المزارع سيبقى يشتكي من تردي الأوضاع؟
