رام الله – محمد السمهوري
اختارت المصورة الفوتوغرافية الفلسطينية نداء بدوان العزلة خلال فترة العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، فقد رأت أن هذه العزلة هي طريقة احتجاجها الوحيدة على ما يحصل من دمار خارج حدود غرفتها الصغيرة التي ضمت عناصر مادة التصوير التي اتخذتها كأدوات وعناوين لصورها التي ستعرض منتصف هذا الشهر قي غاليري «الحوش» في القدس، بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي، تحت عنوان «مئة يوم من العزلة».
تقطن المصورة الشابة (27 عاماً) في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة التي لم ترحمها طائرات «إف - 16» من الحمم التي ألقتها على البيوت والمدنيين... دويّ الصواريخ وهي تدك البيوت والبنى التحتية دفع ببدوان إلى أن تحمي نفسها من خلال عزلة أنتجت من خلالها تجربتها الحالية عن نفسها ومحيطها الاجتماعي.
تقول: «المساحة الاجتماعية الضيقة جداً والأحداث الصعبة التي تعيشها غزة، جعلتني أبحث عن مكان آخر، قد أفترض أنه آمن، يتيح لي المجال والمساحة لممارسة الفن. وهذا المكان كان في الحقيقة الغرفة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 3 أمتار مربعة... الحرب الأخيرة على قطاع غزة أدخلت إلى نفسي الشك في كل ما حولي، حتى في أن تكون غرفتي مكاناً آمناً! فهي أيــضاً كانت مستهدفة من القصف العشوائي الذي نثر دماره في كل زاوية، إلى أن انتهت الحرب، ونجت غرفتي الصغيرة بسلام».
شاركت بدوان في عدد من الأفلام السينمائية مثل «أرى ما لا أريد»، و «القدرة والعجز». تقول: «من عزلتي في غرفة صغيرة صورت نفسي وجسدي وأحلامي ونجحت في أن ألفت نظر العالم إلى تجربتي وصوري. إلى جانب أنني أرســم وأنحت، وجدت أن التصوير الفوتوغرافي يمكنه أن يعطيني المساحة لجعل ما أنتجه أكثر من مجرّد صورة، فهو من وجهة نظري أسلوب يجعلني أنحت، أرسم، ألوّن الكادر بالطريقة التي أراها تمثلني، وإخراج الصورة على أنها عمل فني لا مجرّد قالب صامت».
تواصل: «نحن نرى الذكريات على هيئة صور، الأحلام كذلك، وتخيلاتنا أيضاً، وأكثر ما يمكن أن يحرّك في داخلنا المشاعر هو الصورة. وهذا ما يملي عليّ شخصياً كفنانة المسؤولية والحرص على إدخال أيّ عنصر في الكادر أو حذفه منه».
حالة الحصار التي يعيشها قطاع غزة جعلت الفنانين يعبّرون عن ضيقهم وعزلتهم بأشكال وأساليب عدة رفضاً للحصار والانقسام والفقر والقسوة المفروضة على القطاع، فكان العالم البديل من خلال الاجتهاد في صنع فضاءات وتمرير الأفكار عبر الإنترنت واستخدام التكنولوجيا في الدفاع عن النفس. 400 يوم من العزلة كانت كفيلة أن تنتج بدوان صورها الفوتوغرافية عن نفسها وعالمها المتغير، «عزلتي مستمرة منذ سنة وعشرين يوماً، فأنا لم ولن أغادرها إلّا عندما أجد مكاناً أوسع من غرفتي يمكنه أن يعطيني مساحة للتعبير، من دون قيود أو حصار».
والآن تعول الفنانة الشابة على معرضها الذي يحاكي حالة الحصار، وستخرج من عزلتها إلى القدس لتكون بين صورها التي وثّقت أسباب ابتعادها عن العالم الخارجي.
تسعى بدوان إلى استكمال دراستها للتصويـــر والإخراج السينمائي: «أعتقد أن أحد أهم السبل لوصول فلسطين إلى العالمية هو الفــــن عمـــوماً والسينما خصوصاً، فالمجتمع الفلسطيني يحتاج إلى أدوات عالمية ولغة تفهمها شعوب العالم. نحن في غزة مثلاً نفتـــقــد دور العرض السينمائية التي لو وجـــدت ستساهم في شكل كبير في ترسيخ الوعي الاجتماعي والإنساني والوطني لدى الناس».
عن جريدة"الحياة" اللندنية
