غزة-نوى
وضع هدفه نصب عينيه وسار نحوه بخطى واثقة، وصل بالجهد والتعب واستثمار الوقت، ليصبح من حيث العمر أصغر مدير لمؤسسة أهلية في قطاع غزة، إنه وائل بعلوشة 31 عام، مدير فرع الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أمان بمدينة غزة.
قضى وائل حياته الجامعية متنقلاً بين المؤسسات لاكتساب الخبرة على الرغم من أنه كان أيضاً في الجامعة الأصغر عمراً كونه دخلها بعمر 16 عاماً، شارك في العديد من الحملات الشبابية التطوعية، حتى تحت إطلاق النار، بادر وناقش ليكون أيضاً من أصغر المثقِفين عمراً بحقوق الإنسان.
بالجهد
في مقابلة مع نوى يؤكد وائل بعلوشة أنه لم يصل لهذا المنصب بسهولة، فقد بدأ حياته المهنية على عمر 25 سنة، كمساعد لمنسق مشروع، ومن ثم حالفه الحظ ليتقدم لوظيفة منسق مشروع في أمان بعد 6 شهور من العمل، وتدرج بشكل طبيعي في المناصب داخل المؤسسة حتى وصل إلى مدير الفرع.
ويضيف وائل-الحاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية، ودبلوم عالي في العلاقات الدولية- أنه واجه الكثير من المعوقات خلال عمله في أمان، فالمؤسسة كانت حتى عام 2008 نخبوية، تقوم بالفحص والدرس وتقدم توصيات بشأن مكافحة الفساد، لهذا تعرضت لهجمة شرسة من الجسم الرسمي عام 2010، بسبب عدم تفهمهم لطبيعة عمل المؤسسة، فكانت أمان جسم غير مرغوب فيه.
يرفض وائل فكرة وضع الرأس في التراب، فلم يتوقف أمام هذه المشكلة، يقول :"تواجهت بكل ما تحمله الكلمة من معنى مع صناع القرار، وسألتهم بوضوح، ما المطلوب من أمان ومن الحكومة لنتفق بأن الفساد غير مرغوب فيه في المجتمع ولا أعتقد أن الحكومة من شأنها أن تعزز الفساد؟
تواجه وائل مع مشكلة الشك في تبعة امان لجهة، فقال للجميع أن أمان تقف على مسافة واحدة من الجميع، حين يكون هناك فساد سنتحدث، وبالقابل حين يكون هناك أي شيء إيجابي أيضاً سنتحدث.
وتابع :"اتفاقنا مع الجميع معلن ولا يوجد شيء من تحت الطاولة، نعمل وفق المعايير".
خبرة مبكرة
بدأ وائل الاجتهاد على نفسه في سن مبكرة، فكان في عمر 17 عاماً يشارك في الجلسات وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان، يقول وائل :"الظروف خدمتني، أنا من العائدين، دخلت المدرسة قبل موعدها بعام، ودرست وانتقلت من الخامس الابتدائي للأول الإعدادي مباشرة حسب نظام التعليم بمصر، فكسبت عامين، دخلت الجامعة بعمر 16 عام وكنت أصغر الطلاب عمرا".
حاول وائل أن ينشط داخل أحد الأحزاب السياسية لكنه لم يشعر أن هذا يلبي طموحه، فقرر احترام التجربة دون أن يكملها؛تطوع مع وزارة الشباب والرياضة التي كانت تقدم برامج شبابية رائعة رغم روتينية العمل الحكومي، سياستهم لم تتوافق مع العقلية الثورية لشاب يريد التحرر، لكنه يؤكد استفادته الجمة من هذه التجربة، كذلك خاض غمار التطوع مع المؤسسات الاهلية، كي يكتسب خبرة.
يدرك وائل الأهمية التي تلعبها الأحزاب السياسية في التغيير وتنمية القدرات، لكنه يرى أنها بوضعهاالحالي تعاني كما يعاني كل الوطن من انها تغذي في اتجاه واحد وهي كيف يخدم الفرد تنظيمه، ولا تغذي في الاتجاه العام.
يقول:"وجدت أن العمل مع المؤسسات يلبي طموح، وضعت عيني على الهدف، تطوعت في مركز الميزان، يقولون بأنني ابن مركز الميزان، وهذا شيء أفتخر به، تطوعت في العديد من المشاريع، وكنت أنقل التجربة للجامعة وأنا دون سن العشرين، لأنني تخرجت بعمر 20 عام".
كان وائل في سن 17 عاماً يحضر ويشارك في جلسات تتحدث عن قضايا حقوق الإنسان، وكان هذا يثير استغراب الجميع، خاصة أنه لم يكن يتحدث خلال الجلسات، هنا يقول:"مستمع".
مستمع ولا خجل
ويشرح:"نعم كنت أشارك كمستمع ولا مشكلة في ذلك، هدفي أن اكتسب الخبرات والمهارات وأتعرف على هذه القضايا وكيف تكون لغة الخطاب فيها، ولم اكن أخجل من ذلك، كي أكون متحدث جيد مستقبلاً عليّ ان أكون مستمع جيد الآن".
ويكمل:"نقلت التجربة داخل الجامعة، كنت أنفذ بعض حلقات التوعية حول قضايا حقوقالإنسان وحقوق الشباب ومناصرتها من خلال مجموعات صغيرة من الكليات، كان يرعى أنشطتنا مركز الميزان لحقوق الإنسان، كنت احمل هذه المهمة وأرغب في تعميمها".
هنا يستدرك وائل :"بالمناسبة منذ كنت طالباً كنت أتطوع داخل مؤسسات متعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الصالح، لم أغادر هذه المنظومة مطلقاً".
ويكمل:"كنت أحمل مهمة نقل هذه التجارب على عاتقي، على ألا تؤثر على وضعي كطالب فيما يتعلق بالمستوى الأكاديمي لي، ولكني عملت على عدم إضاعة الوقت، لم أنتظر التخرج، أربع سنوات وانا طالب بالجامعة، قمت باستثمارها جيداً من أجل اكتساب الخبرة، وعملت بعدها في الملتقى المدني وهو مؤسسة تعنى بمواضيع الديمقراطية".
ويؤكد وائل ضرورة أن يضع الشاب هدفه نصب عينيه ويسعى إليه، فلا أحد سيعينه على تحديد هدفه إلا هو، ويقول:"صحيح كانت نشاطاتي متشعبة، ولكن هدفي دوماً محدد أعرفه جيداً، لا يمكن لأحد أن يلهيني عنه أبداً، وهذا أفضل الطرق للوصول لما تريد".
على حد السيف
حديث طويل ذلك الذي دار حول عمله في أمان وانعكاسه على علاقاته الشخصية سواء على مستوى الأفراد او المؤسسات، لكنه يؤكد أن المؤسسات الشريكة عليها أن تحترم مقتضيات مهنة أمان، فإن كان هناك تجاوزاً تعمل أمان على أنهاء الشراكة، فالصداقة بين المؤسسات هي مع أمان وليس وائل شخصيا.
وضحك وائل حين سألته إن كان أصدقاؤه يحاولون الحديث معه بحذر حول ما يمكن اعتباره فساداً، فيقول :"هناك شيء مهم، يجب أن أطمئن الناس كي يقبلوا النصيحة، أفهم أن بعض المؤسسات قد تضطر لطرق ملتفة لتدبير إيجار المقر أو مصروفات جارية او الإبقاء على موظف معين، ولكن إذا سمحت بهذا مرة داخل المؤسسة فقد تتحول لعادة سيئة يمارسها الناس للكسب غير المشروع".
ويكمل:"إلى حد كبير يسألون، لو فعلنا كذا هل هذا فساد، أشعر أحياناً أن بعض الأشخاص يكونوا حذرين في التصريح ببعض الممارسات".
ورداً على سؤال إن كان هذا يزعجه قال:" لا أنزعج، أنا مريح في التعامل وليس لدي كرباج أحاسب به الناس، هناك أشخاص يسألونني كيف نتعامل حتى لا يكون فساد، وأنا أقول اعمل ضمن الممارسات الفضلى وسيأتيك التمويل، احاول نقل خبرة أمان لباقي المؤسسات، وأعطيهم كل ما يساعدهم على ذلك".
ويتابع:"بعضهم يتحدث أمامي باستحياء وبعضهم أشعر أنه يخفي عني شيئاً ما ولكن طوال الوقت أحاول أن أنصح الناس".
يعمل في فرع امان بغزة مجموعة من الموظفين كلهم دون سن 35 عام، لكن وائل يؤكد أن الأمور لم تكن مرتبة، فأمان لا تضع حداً للعمر حين تعلن عن وظيفة، ولكن بالمصادفة البحتة حدث هذا، خاصة أن أمان لديها نفس صقل الخبرات.
شارك وائل في العديد من الأنشطة الشبابية التطوعية التي وضعته كثيراً في مواجهات مع الجهات المتنفذة، لعل أبرزها الحملة الشبابية لدعم الوفاق الوطني، التي اطلقها عام 2006 برفقة مجموعة من أصدقائه لمواجهة حالة الفلتان الأمني التي عاشها قطاع غزة عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعية وما نجم عنها من تبعات سياسية، أمراً وضعه وزملائه في مرمى إطلاق النار أكثر من مرة، خاصة أثناء أحداث الانقسام عام 2007، حيث فقدت المجموعة أحد متطوعيها شهيداً وأصيب آخرين.
ضد التيار
عن هذه التجربة يقول وائل :"كانت الظروف مختلفة عن الآن، فإمكانات التحشيد الآن أكبر وأهم مثل الفيس بوك وتويتر وغيرها لم يكن موجوداً حين كنا نشطاء، نحن كنا نقنع الناس بالتواصل الشخصي او ربما عبر الهاتف الجوال، كنا نفرح حين يصل عددنا 20-30 شاباً، الثمن الذي كنا ندفعه باهظاً جداً، وحتى مستوى الإيمان بالفكرة أكبر، لكن بالمقابل الظروف اختلفت تماماً، فالبلد لم تكن منفصلة، ولم تكن الظروف قد تعقدت إلى هذا الحد، نحن كنا نقف بين المتقاتلين بالرصاص ولم نكن ندرك أن إرادة التدمير قد اتخذت، ولم يكن مطلوباً منا أن ندرك".
وينفي وائل أن تكون هذه الحملات قد فشلت فيقول :"لماذا نقول هل فشلنا، إنما نقول أننا لعبنا الدور الذي كان يتوجب علينا فعله، عن جريمة الانقسام يتحمل مسئوليتها كل من كان بإمكانه التدخل وفعل شيء ولم يفعل، الانقسام جريمة بكل ما تحمل لكلمة من معنى"، ويتابع :"خرجنا حين اختبأ الجميع، تواجهنا مع إطلاق النار"
وحول واقع الشباب في غزة يقول وائل:"أنهم الآن بحاجة لبرامج خاصة بهم لأنهم مهشمين، لكن ليس على الشاب أن ينتظر من يصمم له مستقبله، فالظروف في قطاع غزة واحدة على الجميع تقريباً، وكي يصل الشاب لما يريد عليه، فالأحزاب باعتقادي لا تغذي أبناءها على فكرة تقبل الآخر، أن تكون ناشط في حزب يعني أن تكون مميز رياضياً وثقافياً وتحاور بشكل جيد ومصلح اجتماعي".
ويكمل:"ليس لدي وصفة سحرية أقدمها للشباب، ولكن يجب ألا نلعب دور المتباكين على حالنا، دفع الضرر هو دفع ذاتي، لا أحد سيرفعك، عليك أن تصيغ حياتك ثم تطلب من الآخرين مساعدتك، لا تطلب من الآخرين صياغة حياتك، وإلا ستكون لست انت".
وحول عمله في أمان يقول :"أعترف أن العبء ثقيل، عملي هنا على مدار الوقت لست مجرد موظف، هذا تحدي كبير وانا أعشق التحدي، علاقاتي الشخصية على حد السيف، بعضهم من مختلف الفصائل ومن الشركاء، إذا أنشات علاقة متطورة مع جهة قد أتهم بأني محسوب على أحدهم، لكن علاقاتي متوازنة، فانا لا أميل لتيار على حساب آخر".
وحول مهاراته الشخصية يقول:"أحاول خلق حالى من التوازن في العلاقات، عنيد صبر ونفس طويل، ليس لدي قدرات شخصية، ولكني أحدد هدفي جيداً، ويكون قابلاً للتحقيق".
