جمعتني واحدة من عشرات ورش العمل التي تعقد في غزة، بمجموعة شباب تناقشنا خلالها عن كيفية جمع المعلومات وتوثيقها عبر فن صحفي نسميه “القصة الصحفية”، فأدلوا بالطرق المختلفة التي اتبعوها، والتي اكتسبوها أيضًا من تجارب الآخرين، وهنا حدث ولاحرج، فكثيرون يعتقدون أن تجاربهم تستحق العرض واتخاذها كنموذج.
أحد المشاركين استعرض بعض الخطوات المتعلقة بجمع المعلومات والتي نقلها أصلًا عن تجربة أحدهم في تدريب تلقاه سابقًا، وكانت التجربة ملوثة بالأخطاء،
إلا أن الشاب ما لبث أن يدافع عنها ويؤيدها رغم أنه لم يجربها بعد، وانبرى أغلب المشاركين لمعارضته، لكن الشاب بدا أكثر إصرارًا على رأيه، فانهال عليه الآخرون وكأنهم يركلون الكلمات نحوه ركلاً، حتى لقد شعرت أنهم قد يحطمون رأسه إن استمر يجادلهم في الأمر.
و على غير عادتي حيث أبقى غالبًا متحفظة بشأن ما يدور داخل هذه الورش، إلا أنني تدخلت لمناقشته، محاولةً تصويب رأيه بهدوء،لكنه أصر مما استفزني ودفعني لرميه بنظرات حادة، وربما كنت سأشارك بقية زملائي في تحطيم رأس هذا الشاب العنيد لو استدعى الأمر،
في الحقيقة لا أعلم.
ان ما أعلمه أننا نجيد الاختلاف الذي يفسد الود فيما بيننا، ندين التنوع ونكرهه، ولا نقبل الآخر بسهولة، رغم أننا لم نأل جهدًا في إقناعه بالبراهين والأصول التي يتبناها العقل، بل تنضب طاقتنا في الطريقة الهمجية التي نرد بها، هذا ما سرح به خيالي حين لاحظت وجه الشاب وقد اكفهرّ لونه و بدت على سيمائه الندم حين فكر في إبداء رأيه.
أنا وهذا الشاب وبقية المختلفين معه وغيرنا الكثير، بحاجة لمنهج نسير خلاله للارتقاء بمستوى حوارنا ونقاشنا، اتفاقنا واختلافنا، بعيدًا عن لغة “أنا ومن بعدي الطوفان” والتي ربما تعززت بيننا بفعل الأحزاب والخلافات السياسية، أيضًا نحتاج للحجة التي ستساعدنا على الاعتصام بآرائنا للدفاع عنها، كما نحتاج للمرونة التي تمكننا من التنازل بطيب خاطر عندما يكشف لنا النقاش عن وهن آرائنا السابقة.
وإن كان المشروع يستهدف عددًا قليلًا من طلبة الجامعات الذين يرغبون باكتساب مهارات جديدة كالخطابة وفن الإقناع والتأثير، على يد مدربين مختصين في علوم المناظرة، إلا أن مثل تلك المشاريع وغيرها ما زالت غير كافية وتحتاج للكثير من الجهد لتحقيق أهدافها، خاصةً في مجتمع تعصف به الخلافات والنزاعات السياسية، لكنها على أية حال تبقى محاولة لإشعال شمعة بدلًا من لعن الظلام.
ولعله بالإمكان اعتبار هذا المشروع دعوة عامة للحكومات والمؤسسات والنوادي الشبابية للاهتمام بمثل هذا النشاط والعمل على ترسيخه، لتأهيل الشباب لخوض دفة السياسة بدلًا من أولئك القادة الذين لا يسمعون سوى صوتهم، فهم ما زالوا مصرين على أن ذلك الطائر عنزة.
مأخذ واحد أسجله على هذا المشروع وغيره؛ ألا وهو بدءهم بعد عام واحد على تخرجي من الجامعة، وإلا لكنت من أول المنتسبين إليهم والمنتفعين منهم، أيضًا اقتصارهم على فئة معينة من الطلاب المتفوقين بينما يحرم آخرون، ولعل مثل هذه المشاريع تأخرت كثيرًا على طلبة الجامعات ممن هم بحاجة لتعديل سلوكهم في النقد والحوار، والذين يُزف المئات منهم سنويًا إلى مجتمع مليء بالنزاعات كما أسلفت سابقًا.
إلا أنني أسجل أيضًا تمنياتي بالتوفيق لشباب “مناظرات فلسطين”، الذين سيرفعون اسم الوطن عاليًا، لينتصر على الرؤى الحزبية الضيقة والتعصب
وعدم تقبل الآخر.
