تهاجر في بقاع الأرض، وترميك الأقدار بين الأمصار، وتبقى رهينا للحظة الأولى، تلك التي فجرت بدواخلك إبداعا منقطع النظير، فتأسست مدرسة فنية تشكيلية على يديك، اطلاقتها كانت من قلب الوجع، وإذا وصفت الوجع فلا تجد أجمل من برتقال يافا، والهجرة من يافا، والباخرة التي أقلت الألم إلى بلاد مجهولة، ووعدتها بالعودة يوما، ولم تعد.
تلك كانت تمام الأكحل، التي تعيش حتى لحظة هذا الحوار على أمل بالعودة، لوحاتها تاريخ يعكس المأساة، وبيتها المسلوب في يافا لوحة معلقة على جدرانها، تنتظر تحقق الوعد بالعودة.
وكل ما تذكره تلك الباخرة التي رحلت من يافا، تقلها وعائلتها، بينما صورة يافا المحروقة من بعيد، تعلن عن انطلاق تاريخي لتلك الفنانة التشكيلية .
التقينا تمام الأحكل وكان لنا معها هذا الحوار:
من هي
فنانة تشكيلة ، وزوجة الفنان التشكيلي الأول إسماعيل شموط ، ابنة يافا، ابنة المعاناة، وابنة الهجرة،
تمام الأكحل فنانة تشكيلية فلسطينية تمام عارف الأكحل الفنانة الفلسطينية تمام الأكحل التي صوَّرت بإبداع ريشتها وعلى مدى أكثر من خمسين عاما تراث الشعب الفلسطيني وواقع معاناته ولدت في مدينة يافا - فلسطين 1935 شردتها النكبة مع أهلها من يافا إلى بيروت 1948 منحتها كليــة المقاصــد في بيــروت بعثـة لدراســة الفن في المعهد العالي للفنون الجميلة بالقاهرة عام 1953.
البدايات
بروح مرحة وذاكرة قوية حدثتنا تمام الأحكل عن بداياتها قائلة: كنت ألتفت إلى كل شيء، وكان لي عين ناقدة وحس داخلي قوي، وكان أول عمل فعلي لي هو يوم يوم عودة الحاج أمين الحسيني من الإبعاد، حيث لفت نظري الأثواب المفرودة في الشوارع، والجريد المعلق على الطرقات، فرحة بعودة الحاج أمين الحسيني، وعبرت عن ذلك بلوحة، ورسمت الشوارع بخربشات تعبت في رسمها كثيرا، وكانت اللوحة جميلة وملونة بالألوان المائية، وهي أول عمل قمت برسمه في يافا قبل الهجرة، وتميزت عن بقية الفتيات في المدرسة بموهبتي الفنية وكانت مدرساتي تشجعنني على الرسم وظلوا يتابعون تنقلاتي الفنية حتى اليوم.
وكان والدي لديه حس فني جميل، وحينما يراني ارسم، يتذوق رسوماتي بعين ناقده، ويتباهى برسمي جدا، وأنا كنت أحب الفنون والمنحوتات، وكان أحب عمل أقوم به في البيت هو تنظيف خزانة الصحون المصنوعة من الخشب المنحوت، وكنت أصعد وأنظف المنحوتات بحب كبير واستخدم بذلك القلم الملفوف بالقطن وأمشي فوق الأشكال المنحوتة وكأن الفن فطرة في داخلي.
الهجرة والحسرة
وعن الهجرة كان لتمام الأكحل وقفة عميقة تأملت فيها الألم المسكون في دواخلنا بعد النكبة الفلسطينية، فتذكرت كيف أن والدها قرر الهجرة بعدما وصل بهم الحال في يافا إلى أسوأ أحواله، وهاجرت برفقة أمها وأبيها وأخوتها عبر مركب إلى بيروت، حينما كانت ابنة عشر سنوات، وتقول: رأيت بعيني الأطفال يقعون في البحر، والمصابين من الشباب الذين أعرف الكثيرين منهم وهم يصرخون ونحن لا نقدر على فعل شيء لهم.
وتصف ذلك اليوم بعمق أكثر قائلة: من يومها ولدت من جديد، من ذلك اليوم الذي رأيت يافا فيه تحترق من بعيد وأنا أنظر من على ظهر المركب، وكانت تلك الصورة بداية جدية لرسوماتي الأكثر عمقا.
وتعقب: وحينما عدت مرة أخرى في عام 1997 في زيارة إلى يافا أنا وزوجي اسماعيل شموط هرولت إلى بيتي وقد عرفت أنه تحول إلى "جالري" بيد امرأة يهودية تدعى شيشانا فرنكشتاين.
وبصوت ممزوج بالحسرة تقول: رأيت البيت على نفس الشكل والهيئة، لم يتغير فيه شيء، ورأيت الجدران وكأنها تناديني، ولمحتها وهي تفتح الباب الأسود الحديد، ولم يتحمل عقلي أن يسرق بيتي وغرفتي وذكرياتي، فبدأت دموعي تذرف.
وتضيف الأكحل: يومها طلبت من تلك المرأة أن تسمح لي بالدخول والتجول في البيت، ورؤية غرفه التي ما زالت على حالها رغم هذا العمر الطويل، لكنها لم تقبل، فصرخت بشكل هستيري، هذا بيتي، هذا بيتي، وسوف ترحلون عنه يوما، فطردتني ولم تقبل بأن أدخل، ومشاعري في تلك اللحظة لا توصف، وقد ظهرت في لوحاتي بشكل كبير.
بيروت وما بعدها
تصف الأكحل رحلتها الأخرى، وحياتها الجديدة في بيروت: تحولت الحياة من رفاهية وعز إلى حاجة، فبدأت أبحث عن عمل، أنا وأخوتي، وأمي لم تجف لها دمعه من يوم هجرتنا، فلم يعد هناك برتقال ولم تعد هناك يافا،
وأكملت دراستي بمساعدة الكثيرات من الصديقات في بيروت، وأصبح لدي نضوج فكري وعقلي وزاد تشبثي بالفن التشكيلي، وزاد شوفي ليافا التي كان لها حيز كبير في لوحاتي، ثم تطورت هذه اللوحات كثيرا وأصبحت أكثر عمقا وخبرة.
وانتقلت إلى القاهرة، بمنحة دراسية لمواصلة دراسة الفن التشكيلي وهناك التقيت بإسماعيل شموط وقد كان تلميذا في السنة النهائية، وأقمنا معا معرضنا التشكيلي الأول الذي افتتحه جمال عبد الناصر في ذلك الوقت، وقد كان له بالغ الأثر على الجماهير هناك، فكنا نرى زوار المسرح ، وهم يستندون إلى الجدران باكين من كثرة تأثرهم بما رأوا في تلك اللوحات، ثم تعقب: بعد التخرج تزوجت إسماعيل شموط وبدأنا من يومها بخوض معركتنا مع الاحتلال من خلال لوحاتنا التي أوصلت للعالم قضيتنا الفلسطينية بشكل بسيط وجميل ومعبر.
أحلام إسماعيل
تضيف تمام الأكحل حينما سألتها عن مشاريعها مابعد رحيل الفنان إسماعيل شموط : بعد زيارتنا الأخيرة أنا وإسماعيل إلى يافا، كانت تلك الزيارة نقلة قوية في مشاعرنا، كانت حالتنا النفسية صعبة للغاية، وذرفنا دموعا ساخنة على تلك الأرض التي كانت ملكنا في يوم من الأيام.
تقول تمام: كنت ارسم يافا من الذاكرة، وكنت طفلة، ولكن حينما كبرت ونضجت وصلت إلى يافا بعد خمسين سنة تقريبا وعدت إلى رسمها بمهارة أخرى مختلفة، بوجع مختلف، وبجنون مختلف، وأنا أدور حول البيت لا استطيع الدخول إليه.
ومن هنا بدأنا نرسم جداريات معبرة وبدأنا نرسم تحت شعار" من نحن" وما الذي حدث بنا، ورسمنا تسعة عشر جدارية، درنا فيها على كل متاحف العالم، ونحن لا نعرض لوحاتنا سوى في متاحف فقط وذلك لان مستواها على درجة عالية من الاحتراف والرقي، فتلقينا دعوات من معظم متاحف العالم، ومن هنا حصلنا على لقب رائدي الفن التشكيلي الفلسطيني.
الفن والرسالة
تعليقا على الحرب الأخيرة على غزة قالت الأكحل: في الحرب الأخيرة ساندتنا الكثير من الدول الغربية بشكل كبير، هنا يأت دور الفن، والشعر والرسالة السامية وتوضيح زيف الرسالة الإسرائيلية، وقد نجحنا في ذلك فعلا، وبدأت الصورة تتضح في الكثير من الدولة الأجنبية المناصرة لقضيتنا.
وكرسام يعشق فنه ختمت الأكحل حديثها قائلة: دوري أنا الآن أن أبقى أرسم ليلا نهارا، وهذا للزمن والقدر، وسأجمع كل لوحاتي ، وقد جمعت كل لوحات إسماعيل، ورفضت بيعها وما زلت ارفض، وأتمنى من الله أن يعطيني القوة حتى أقوم على عمل متحف أعلق فيه لوحاتي ولوحات إسماعيل شموط رفيق العمر، وذلك لأرشفة القضية الفلسطينية من خلال تلك اللوحات، ولدي حلم أخر أن أعمل على الانتهاء من كتاب يحكي رحلتنا وسيرتنا الذاتية أنا وإسماعيل شموط، وأتمنى ان يمهلني القدر عمرا كافيا لأفعل ذلك.
