غزة-خاص نوى-إسلام الاسطل
رغم سنوات عمرها التي لا تتعدى الأربعين، إلا أنها بقيت متمسكة بارتداء "الداير والقنعة (زي خاص بأهالي خان يونس) تحديدًا، وهو زي أسود طويل من قطعتين لا يظهر من المرأة سوى جزء من جبهتها وإحدى عينيها، تقول عائشة سليمان- رفضت ذكر اسم العائلة- أُجبرت على ارتدائه منذ بلغت الخامسة عشر من عمري، وحين سنحت لي الفرصة أن أخلعه وأستبدله بالجلباب أو العباية كما فعلت الكثير من النسوة لم استطع، بدا الأمر شديد الصعوبة علي".
خصوصية الملبس
واعتادت النسوة في مدينة خان يونس ارتداء"الداير والقنعة" منذ سنوات خلت، وعن بداية ارتدائه تقول الحاجة الستينية أم سمير:" أخبرتني جدتي أن النساء في خان يونس اتشحت بالسواد، وارتدين هذا اللباس كأحد أشكال الحداد، وتدريجيا أصبح زيًا خاصًا ترتديه النسوة حال الخروج من المنزل، وباءت كل محاولات أبناء الحاجة أم سمير لإقناعها خلعه بالفشل، تقول" هو جزء من شخصيتي، وله خصوصية لا يمكنها التفريط فيها، وتابعت" لو كنت في أي مكان في القطاع يعرفونني من لباسي، أنني من مدينة خان يونس، وتحديدًا من مواطنيها الأصليين" .
حميمية الحطب
أم سمير تقطن بجوار قلعة برقوق التي يرجع تاريخها للعصر المملوكي لم تستطع فرضه على بناتها، أو زوجات أبنائها اللواتي يرتدين الجلباب،" هو يليق بنا كبيرات السن، ولكل زمان ما يليق به من لباس، شرط ألا يكون فيه شيء من التبرج".
وتتمسك أم سمير كما الكثيرين حولها بالتراث الفلسطيني، الذي يعد " فرن الطين " أحد أشكاله، وشيدت لـ فرن الطين غرفة خاصة بجانب منزلها، تقول" فرن الطين جزء من تراثنا الفلسطيني، يصعب الاستغناء عنه، تقول" ينتظر أحفادي بفارغ الصبر يوم الخبيز، وغالبا ما يكون يوم الجمعة، يلتفون حولي يلتهمون الخبز الطازج مع الزيت والزعتر، وتتابع" لفرن الطين نكهة خاصة سواء في الخبز أو الطعام، ناهيك عن قدرته على تجميع أفراد الأسرة حوله، مما يعكس أجواء حميمية مفقودة هذه الأيام.
الأمر الذي أكدته، منى 30 عاما، تعمل موظفة في مؤسسة حكومية" رغم أنني لا املك الوقت الكافي لإدارة شئون المنزل ومتابعة الأبناء، إلا أن الخبز البيتي من المسلّمات الواجبة في المنزل، مؤكدة أن أطفالها يتسابقون في هذا اليوم لمساعدتها بجمع الحطب، وتضيف :" استخدمه أيضا لصنع الطعام والحلويات، للطعام به طعم مميز" .
ونادرًا ما يلجأ أهالي خان يونس للوجبات الجاهزة ، الأمر الذي يفسر افتقار المدينة للمطاعم الكبيرة، إذ يقتصر وجود المطاعم فيها على المطاعم الشعبية ومطاعم الشاورما وفرع للطابون، فيما تنتشر المطابخ الخاصة بالولائم والتي يلجأ المواطنون في المدينة لها في الأفراح والأتراح .
المرأة تقود
قد لا يبدو مألوفًا أن ترى النساء في مدينة خان يونس يقّدن السيارات، أمر يعتبره البعض غريبا، إلا انك ببساطة تشاهد النساء وهن يقّدن العربة (الكارة ) خاصة في المناطق الزراعية والريفية من المدينة، إذ تعمل النساء في تلك المناطق جنبًا إلى جنب مع الرجل في زراعة وجني المحاصيل .
لا تجد الحاجة فاطمة النجار أي حرج في أن تقود" الكارة "وتقضي بها مشاوريها العائلية مع زوجات أبنائها، كما تذهب بها إلى سوق الأربعاء لبيع الجبن البلدي الذي تصنعه في المنزل، وشراء مستلزمات المنزل من خضار وبقوليات. وتقول لـ ( نوى ( هي وسيلة متاحة ورخيصة وتغنينا عن اللجوء للمواصلات أو السير لمسافات طويلة مشيًا على الأقدام خاصة أن الشوارع في منطقتنا غير"مرصوفة" ولا تدخلها سيارات الأجرة إلا ما ندر .
اعتادت الحاجة فاطمة أن تتناول مع أبنائها وزوجاتهم وأبنائهم الطعام يوميًا تقول" لا يمكنني أن أتناول طعامي دون أن يجتمع أبنائي من حولي، ويعيش مع الحاجة فاطمة أبنائها الثلاثة وزوجاتهم وأبنائهم وقد ارتصت غرفهم في منزل مكشوف يتوسطه حوش كبير، " أجمل ما في الحياة الأبناء، الجنة بدون ناس ما بتنداس". تقول وهي تحتضن حفيدتها الصغرى.
بين البداوة والمدنية
وإذا كانت بعض النساء في خان يونس يبذلن مجهودًا أكبر في العمل المنزلي، ولديهن قدرة أكبر على تحمل خشونة الحياة وقسوتها، إلا أن ذلك لا ينفي مكانتهن في الأسرة كمعيلات ومساعدات أساسيات للرجل في تحمل أعباء الحياة، وحسب المؤرخ د. سليم المبيض فإن أهالي مدينة خان يونس ومنذ القدم يتمسكون بالتعليم للذكر والأنثى على حد سواء، ويذكر المبيض أن الكثير من العائلات في المدينة في الثلاثينات من القرن الماضي أرسلت بناتها للدراسة في رام الله، مؤكدًا أن خان يونس في بداية القرن الماضي كان بها مدرسة للذكور وأخرى للإناث .
ويؤكد المبيض أن مدينة خان يونس تجمع ما بين البداوة والمدنية نظرا لاستيطان العديد من العائلات حول القلعة منها من قَدِم من غزة، ومنها من قَدِم من رفح أو النقب، فجمعت بين أصناف مختلفة من العائلات .
لاتزال مدرسة خان يونس الثانوية للبنات تحتفظ بمسماها الشعبي" فرحانة " نسبة إلى ناظرتها" مديرتها فرحانة المصري" التي عملت بها على مدار سنوات طويلة، وبدأت التدريس منذ أربعينيات القرن الماضي، تميزت طوال مسيرتها التعليمية بالقوة والحزم، وخرجّت الآلاف من الطالبات اللواتي أصبح لهن شأن ولايزلن يذكرنّها كنموذج يُحتذى به.
