بقلم – خالد جمعة
مرّت أربعة أشهر على انتهاء الهجوم المدمر الذي قامت به إسرائيل على قطاع غزة، ودعونا من أي مجاملات يمكن أن تقال لأي شخص أو فصيل أو قائد كان، غزة تعيش وضعاً أسوأ من وضعها أثناء الحرب، والسبب: الجميع بلا استثناء.
كتبت قبل انتهاء العدوان بيومين، أن غزة هي الطفل الذي سيترك وحيداً بعد انتهاء الحرب، وهذا ما حدث، فلا شيء تغير، بل كل شيء ازداد سوءاً، هناك من يعيش تقريباً في الشارع، ولم يحدث أي تغيير على مواضيع الإعمار والكهرباء والمياه وحكومة الوفاق وكل هذه المهاترات التي لا تأخذ الناس في غزة بعين الاعتبار.
ماذا تريدون من سكان غزة أن يفعلوا؟
هذا الاحتقان الذي يتزايد يوماً بعد يوم، هذا الكبت النفسي الناتج عن العدوان، هذا العراء والفقر وعدم توفر الموارد، هذا الخوف من عدوان قادم، هذا الفقد الذي لم يعد مبرراً تحت أي ظرف، هذه "المياصة" من القيادات الفلسطينية في الاهتمام بمشكلة غزة على نحو حقيقي، هذا كله إلامَ سيقود؟ إلى أين سيأخذ الناس في غزة؟ ماذا بإمكانهم أن يفعلوا؟ إنهم واقعون بين مطرقتين وسندانين، لا أحد يهتم بهم حتى على مستوى الإعلام، الجميع يتجاذب ويشتم، وكأن الفصائل الفلسطينية هي الأهم في المعادلة، ولم يعد سبب انطلاقها موجوداً، سبب انطلاقها الذي كذبت علينا حين أعلنته: خدمة القضية والشعب الفلسطيني.
في إحصائية مرعبة، تأتي إلى مستشفى الشفاء ثلاثون حالة حاولت الانتحار في غزة شهرياً، اقتربت الإحصائية من أعلى معدلات الانتحار في العالم، ومعظم هذه الحالات هي لأعمار لم تتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، فأي مستقبل ينتظر شباب وصبايا وأطفال غزة في ظل انغلاق الأفق السياسي والحياتي يوماً بعد يوم، وبوابة بعد بوابة؟ وأي قائد فلسطيني لديه الجرأة ليخرج إلى الناس ويقول لهم جزءاً من الحقيقة، الحقيقة التي هي جزء من اثنين: إما يقول: نحن لا نصلح للقيادة وغررنا بالشعب الفلسطيني ولا نستطيع القيام بواجباتنا تجاهه، أو الجزء الثاني وهو: نحن نملك ما يمكن أن نحل به المشكلة ولكن كرامة فصيلنا وحزبنا أهم من كرامة الشعب الفلسطيني، وفي الحالتين المأزق هو ذاته، وفي الحالتين الناس ما زالوا في خيام وبيوت مهدومة وأطراف أطفالهم باردة دون كهرباء، لم يعد هناك من يخجل من نفسه لا وطنياً ولا إنسانياً.
حين يفقد الإنسان كل ميزة للحياة، السكن، والعمل، والكرامة، ومستقبل أولاده، وقدرته على السفر، قدرته على إنارة بيته ليلاً، قدرته على تدفئة زوجته في الشتاء، قدرته على شراء حقيبة مدرسة لابنته الوحيدة، قدرته على دعوة صديق على الغداء، قدرته على رؤية شارع دون دمار، قدرته على المشي على شاطئ البحر، فماذا ينتظر العالم منه أن يفعل؟ وأين ينتظر منه العالم أن يذهب؟
الجميع يفكر في نفسه، أحزاباً وقيادات، وإنه من المخجل فعلاً أن نقرأ ونسمع يومياً هذه المشاحنات بين فتح وحماس مثلاً، والتشدق بالقضية الوطنية، لم نعد نصدق أحداً منذ زمن بعيد، هذا أصبح مفروغاً منه إذا تعلق الأمر بالقضية الوطنية، ولكن حين يصل الأمر إلى الحياة، إلى الخبز والملح الذي يبقي الناس على قيد الحياة، فإن المسألة تأخذ بعداً آخر، على الجميع أن ينتبهوا له، لم يعد يعنينا من هو المخطئ في قضية تشكيل حكومة الوفاق التي تشكلت فعلاً وماتت فعلاً، لم يعد يعنينا إن كانت حماس من بدأت الخلاف أو فتح، لم يعد يعنينا كم وزيراً لفتح أو لحماس في أي حكومة، لا نريد وزراء، نريد عمالاً يهتمون بمصلحة المواطن التي هي في النهاية مصلحة الوطن، فما قيمة الوطن بدون مواطنيه، وأظن أن سكان قطاع غزة من مواطني هذا الوطن.
ما يحدث هذه الأيام، خصوصاً منذ انتهاء العدوان على قطاع غزة، لا يمكن لأي عقل أن يحتمله، لا يمكن لأي روح أن تسلم بأنه أمر طبيعي، فإذا لم تضع القيادات الفلسطينية، جميعها دون استثناء، الإعمار في غزة على سلم أولوياتها، وإعادة الناس إلى ما يشبه الحياة الطبيعية، فهم لا يستحقون أن يكونوا في مواقعهم، لا يستحقون رواتبهم التي يتقاضونها، ناهيك عن تلك التي لا يتقاضونها مباشرة.
الناس في غزة تموت يومياً، مفرومين بين تروس آلة فرم جهة منها حماس وجهة فتح، مع أسنان صغيرة مساعدة تشكلها بقية التنظيمات بلا استثناء أيضاً، مع دور مساعد للجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، لا أحد بريء، لا أحد، وحين يحدث الانفجار الكبير ذات يوم، فلن ينجو أحد منه كائناً من كان.
الحادي والعشرون من كانون أول 2014
