غزة-نوى-إسراء المدلل
دُهشت منال مقداد في تمام الساعة السادسة صباحًا في الأول من ديسمبر، بتلقيها من جهة مجهولة المصدر، بيان "داعشي" يطلق عليها ومجموعة من الشعراء والكتاب ألقاب كــ"المرتدة"، ويهددها بالقتل إذا لم تتوب، لا تزال تحمل مرارة ذلك، ولم تعرف الجواب، لسؤالها الدائم" لماذا أنا بالتحديد، وتقول: لو كان صدفة أو تصرف غبي، فقد دمروا حياتي، بقصدٍ أو بدون قصد؟!!
منال، 27 عامًا، خريجة تخصص الهندسة الإلكترونية، وتعمل حالياً في شركة" لما" للصناعة الأفلام الدرامية والوثائقية، وهي كاتبة مسرح ومهتمة بالأعمال السينمائية، من عائلة متفتحة، ومتعلمة، تلتزم باللباس الشرعي، كتاباتها غير مثيرة للاهتمام، تحافظ بشكل أو بآخر على دائرة مغلقة، تمارس مواهبها المتعددة من خلالها.
حين غنت منال " يا ليل ما أطولك...مشيتني حافيةّ، ميزان ما أثقلك، هديتلي كتفاي، ضابت حشيشة قلبي لأجلكم ضابت، و شعرتين السود يا أمو بروسنا شابوا، والشعرتين الشقر يا أمو بروسنا ذابو"،وهي كلمات الفنانة ريم بنا، أدمع من حولها، دون ان تخدش حياء المجتمع". إذًا فلماذا يطال اسمها البيان؟.
دهشة منال من زج اسمها في البيان للوهلة الاولى، شكل صدمة لها ولعائلتها، وأضر بوضع منال المهني، ومستقبلها في غزة، "خسرت وظيفة، لتخوف المدير لوجود اسمي في البيان مما قد يسببه من مشاكل أو متاعب كما يعتقد، قد انتهى مستقبلي في غزة ولم يعد شيء يربطني هنا، المكان الذى لا يحترم سمعة الأخرين ويقتله في بيان فوضوي، لا أمان لحياتنا ومواهبنا الإنسانية بعد ذلك". تقول بحرقة.
و عن تأثيره على حياتها الخاصة، تقول" العيار الذي لا يصيب يدوش"، هذه العبارة تلخص سلوك مجتمعً، قد لا يصاهر اسم تعلق في بيان، وحاز على ضجة إعلامية و لقب مشتبه به، ومحاط بعلامات الاستفهام والتعجب".
منال لا تخفي قلقها وخوفها وتقول:" بعد ساعات من تلقي البيان، بدأت أشعر بالخوف، أدركت أن الأمر ليس مجرد بيان عادي، ورسائل تهديد فقط، بل ربما سأكون ميتة بعد يومين، لم يهمني الخروج من البيت أو لا، رغم حرصي على عدم الخروج، لأهدئ من روع أهلي، ولكني لاأزال في حالة من الصدمة، ولا أستطيع استيعاب أمر يلحق بي ضررا نفسياً ومعنوياً بدون ذنب اقترفته".
وتتساءل" من لديه الحق، بأن يكفر الأخرين، ويخرجهم من الملة، ومن لديه الحق أن يسأل أو يستجوب، أو يهدد حياة مواطنين مسالمين، يسألهم عن دينهم وصلاتهم وصيامهم، وأمور خاصة لا علاقة لأحد مسؤول كبير أو صغير اقحام نفسه بها؟!".
والد منال أكثر من يعرفها، شاركنا في حوارنا قائلًا:" ابنتي لم تواجه مشاكل على الإطلاق، ولا من أي جهاز أمني في غزة، ولكن فجأة، يكون اسمها مطلوب لـ"داعش"، هكذا !! "
تقول منال" والدي تعامل مع الأمر بحكمة، رافقني لمراكز الشرطة، وتحدث بصوتي وأحترم وجودي في صفوف الدفاع عن النفس والمطالبة بحقي الشرعي والقانوني، في الكشف عن مرتكبي جريمة القذف بي وإدانتهم أمام القانون، أنا سعيدة بدعمه أثق به كثيرًا".
على العكس كانت ردة فعل والدة منال، تعمل مدرسة في إحدى مدارس الإبتدائية التابعة للأنروا في مدينة غزة، تقول " أول ما أدلت به أمي، "لا أمان ولا أمن"، ما فيه طلعة من البيت بعد هيك، حتى للعمل".
تضيف منال" حاولت التقليل من نسبة التوتر في البيت، وأن امنح عائلتي الشعور بالطمأنينة والثقة، وأن الأمر يحتاج إلى هدوء وعقلانية، لا هروب أو السكوت عنه". وتتابع" أعترف بأنني أمشي في الشارع، وبداخلي مخاوف كثيرة، التفت حولي، وكأنني أشعر بأن أحداً يراقبني، سلبت مني راحة البال وسعادتي وقد كنت مجرد فتاة تبحث عن عمل تمتلك مواهب خاصة، تحقق عبر مشاريع بسيطة بعض احلامها الكبيرة".
البيان صدر عن ما يسمى" داعش" وقالوا فيه: أنهم أرسلوا للمذكورة اسمائهم في البيان قبل بيوم واحد "تكرماً منهم"، وأن لديهم ثلاث أيام فقط، كي يعلنوا التوبة".
هل تعاملت الجهات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية بمسؤولية، واهتمام بالتهديد الذي طالهم تجيب منال:" قدمت شكوى لمراكز الشرطة ومكاتب وزارة الداخلية واجتمعنا مع الجهات الأمنية للمناقشة سبل الخروج، ونظمنا وقفة احتجاجية مطالبين بالكشف عن الجهة المسؤولة عن هذا البيان، ومطالبتهم بتأمين حياتنا الخاصة. وتضيف" لم يتم التعامل مع الأمر بحرص أو بمسؤولية عالية، بل شعرت باستهتار، ولامبالاة، رغم محاولة البعض تطميننا من هذه الأجهزة، ولكني أحمل المسؤولية إلى من يحكم غزة في حال لم يتم الكشف عن الجهة المسؤولة ومحاسبتهم، داعش أو غيرها لا يهمني".
لم تصدق منال أن ما يسمى "بداعش موجودون في غزة، ولكن البيان برمته وتوصيفها ب"المرتدة"، قد أصابها بالشعور الدائم بالخوف، وتقول بذلك " أرتجف كلما سرى الأمر بذهني، دخلت في أزمة تفكير وتوتر وخوف".
حاول البعض التقليل من جدية البيان، تقول منال: التقيت بالشاب محمود أبو غلوة، وهو كاتب، ويعمل كمصور للأفلام الوثائقية، قال أن الختم في البيان الداعشي هو بيان خارجي، مركب، ومرسوم بالفوتوشوب".
وكيل وزارة الداخلية، أبو صهيب ماضي، يقول " لا يجب على المهدَّدين أن يقلقوا، ونحن نتعامل مع داعش، كما نتعامل مع المخابرات الإسرائيلية، فالموضوع غير حقيقي، ولا وجود لداعش في غزة "وفق ما قالته منال.
وكان اجتماع دعت إليه مؤسسة فلسطينيات، ضم ممثلين عن الفصائل، وصحفيون ونخب إعلامية و سياسية منهم، وفاء عبد الرحمن، فتحي صباح، الحقوقي صلاح عبد العاطي، والناطق باسم وزارة الداخلية إياد البزم، و النائبة في المجلس التشريعي، هدى نعيم، تقول منال تباحثوا حول البيان، مطالبين بعدم الاستهتار بمشاعر المهددين".
تردد منال، أمام كل من قابلت من مسؤولين أو زملاء، أن الأمر مسألة مستقبل وحياة أو موت ، وهذا ما تلقته من صدمة البيان، وتقول "لن أسمح لأحد أن يكتب عليّ الموت، ويحدد مسيري وطلبت من الشرطة أن تلتقي بالجهة التي اطلقت على نفسها "داعيش" كي بعلن أمامهم التوبة، بالوقت الذي تأكد فيها أنه لم تمس يوماً الذات الإلهية ، وأن كتاباتها لم توحي على الإطلاق، الإيحاءات الجنسية، أو مواضيع حساسة مجتمعية أو سياسية، تتبع .. "لم أتطاول يوماً على جهة حزبية ، أنا فنانة ولا أنظر لغير فني".
إذاً، قلق وخوف لم تود إنتظاره، بيان حمل تشويهاً للسمعة وتهديداً بالقتل، قد تختلف الإيدلوجيات السياسية أو الفكرية، ولكنها حينما تقع على فتاة من غزةَ، فإن ذلك يحولها إلى رهينة لأسباب مجهولة، تقول منا" صرت أحكي مع الله، وأقول له هل هذا هو إختبار لي، هل هذه محنة، وساخرج منها، أنا منال التي لم تسبب يوماً المشاكل لأحد، بل أن همي بسيط جداً في الحياة، وقد بات صوتي يحضر في جلسة بيني وبين أبي فقط، فلا أغني في قاعات أو إحتفالات خارجة عن الدوائر الضيقة".
منال باتت تَحلم ، بأن تصحو من هذا الكابوس، ويتم الكشف عن الجناة، و الإعلان عن هويتهم عبر الإعلام، كما ظهرت وعُرفت منال التي لم تكن مشهورة قبل".
