مرت سنوات طويلة وكثيرة وأنا أحاول أن أثبت العكس أمام مجتمع لا يرحم، فامرأة وحيدة هي مدانة حتى تثبت براءتها، وامرأة جميلة مدانة أيضا ولن تثبت براءتها.
في سنوات زواجي الأولى قررت أن أتعلم كل شيء لأقوم بكل الأعمال التي يقوم بها الزوج عادة، ولكن هذا الزوج خارج البيت إما في العمل أو يقضي وقته مع أصدقائه، ولهذا بدأت أتعلم كل شيء بنفسي.
المرة الأولى والوحيدة التي طلبت من جاري أن يقوم بتركيب أنبوبة الغاز في مطبخي، وحين كان يخرج من باب البيت كانت العيون من حولنا تسأل ألف سؤال، رغم أن الجار في سن ابي وكنت أناديه وقتها ب" عمو"، ولامني زوجي كثيرا ولكني كنت صغيرة السن طيبة القلب، حسنة الظن بالناس ولا زلت أعتقد أني أعيش في المدينة الفاضلة حيث إن المتهم لا يدان إلا حين تثبت ادانته.
بعد ذلك بسنوات وحين انفصلت عن زوجي وكان أطفالي صغارا، اشتريت سجادة ضخمة وألقاها العامل الذي قام بنقلها أمام باب البيت ورفض رفضا قاطعا أن يوصلها لباب شقتي في الطابق الثاني، وهنا طلبت من أولاد الجيران المراهقين ان يحملوها حتى باب شقتي وحين فعلوا ذلك شكرتهم وطلبت منهم أن يستريحوا ليشربوا شرابا باردا بعد المجهود الذي بذلوه، ولكنهم شكروني بحرارة تفوق حرارة شكري لهم وحين خرجوا إلى الشارع كانوا يتحدثون عني بأني احسنت ضيافتهم وتحررت من غطاء رأسي أمامهم وهذا لا يجوز في عرفنا كأهل غزة، وبأني أيضا مازحتهم وضحكت معهم.
من يومها قررت أن أكون الرجل في البيت سواء في وجود الزوج أو بعد غيابه إلى الأبد، أحضرت صندوقا كبيرا ووضعت به كل ما يحتاجه البيت من أدوات مثل المسامير والبراغي والمفكات والمطارق الصغيرة، وكذلك اللواصق والقطع الجلدية الصغيرة التي توضع في الأنبوب المتصل بأنبوبة الغاز، وأطلقت على الصندوق " صندوق العدة" وأخفيته تحت سرير أحد الأولاد وكلما تعطل شيء في البيت كنت أسحبه وأبدأ في اصلاحه متبعة الخطوات التي اختزنها عقلي من ملاحظتي لأبي ثم زوجي.
تعلمت تغيير انبوبة الغاز وحدي، واصلاح قوابس الكهرباء والأسلاك، وتسليك مصارف المياه وتنظيفها في المطبخ والحمام، وتغيير حاويات " الفلتر" المخصص لتحلية الماء في المطبخ، ولم أترك أمرا يحتاج إلى رجل إلا وتعلمته وأصبحت أحمل أنبوبة الغاز من باب البيت واصعد بها الدرج وأقوم بتركيبها، ولا أطلب من أي جار شاب أو عجوز أن يوصلني بمشتريات حتى لو عرض خدماته ومهما كانت مشترياتي ثقيلة.
وهكذا حرمت دخول أهل القال والقيل إلى حياتي، ولكن من حولي لم يصدقوا حتى الآن أني بريئة، لا أدري لماذا ولكني في النهاية لم أعد أهتم لنظراتهم ولا لمزاتهم، طالما أن حياتي تسير بانتظام كعقربي الساعة، وطالما أني ناجحة رغم أني وحيدة...........
لأني امرأة وحيدة
تاريخ النشر : 2014-11-27 17:40
