نوى/إسراء المدلل
"حضرت عروض فنية تغلغلت في حياة الفلسطينيين، كانت شاشات العرض تتنقل بين حارات المخيمات، في وسط مخيم الشابورة، تحديدًا".
يروي خليل المزين أول فيلم شاهده في صالات غزة، فيلم مصري أبيض وأسود بطولة الفنانة فاتن حمامه، سبقه دعايات(للحليب، فرشي أسنانك) وأحياناً "متحدا يغيب عن التطعيم"، وخليل لاجئ فلسطيني ترعرع في مخيم الشابورة بمدينة رفح جنوب القطاع.
يصف الأجواء آنذاك، مبتمساً،" كان أبناء الحارة الواحدة يجلسون على الأرض، و يوزعون علينا كاسات الشاي، كنا نشاهد الأفلام العربية تحديداً المصرية منها، في حماسةً كبيرة يتدافع الصغير قبل الكبير، وينتظرها الناس بفارغ الصبر.
في مكتبه الصغير وأمام شاشاته البسيطة، يجلس المخرج الفلسطيني خليل المزين يرتشف قهوته المعتادة، يوجه فريق عمله في المونتاج والتصوير. عُرف خليل بأفكاره المجنونة نحو خلق أفكار جديدة وواقعية تحكي عن العشق والإنسان الفلسطيني عن الطفلة والمرأة. تبنى الفكر الماركسي ويعد أحد نشطاء الشيوعية في القرن التاسع عشر، حتى أصبح من أشهر المخرجين في العالم العربي ونال على عدة جوائز دولية و إقليمية.
تتبع خليل الفترة الزمينة من بداية الخمسينيات حتى أواخر التسعينيات للسينما في غزة، فأردف قائلاً،"أجاسر وأقول، حتى الخمسينيات استمرت ظاهرة السينما في قطاع غزة، وشهدت هذه الفترة عروضًا مسرحية كبيرة للمصريين في فلسطين قبل 1948.
ويشير المزين ومن عاصروا هذه الفترة أنهم شاهدوا أول عرض سينمائي في "صالة السامر"التي أنشأهاالحاج رشاد الشوا عام 1944 م، وبعد اكتشاف رجال الأعمال أهمية وجودها في غزة أُفتتحت سينما (عامر) الصيفية عام 1952 – 1953، حتى بلغ عدد دور السينما من ثلاث إلى أربع في عام 1956م".
وعلى امتداد القطاع كانت تُنقل الأفلام بالباكورات من مصر عبر القطار على مرأى أعين الناس. زاد التوجه نحو فتح دور العرض والصالات الثقافية، التي ساهمت في توطيد العلاقات مع مصر، ومواكبه اقتصاد مزدهر، وفي عام 1967 حدث تحول كبير في الحياة الفلسطينية، فقدوا أملهم في العودة واحتلت "إسرائيل" القطاع، ولكن بقت السينما، وفي هذه الأثناء سمحت "إسرائيل" للفلسطينيين العمل داخلها، وبعد عدة سنوات تحولت سينما "السامر" إلى وكالة (مرسيدس).حسب ما سرده المزين من أحداث.
تقول راوية الشوا النائب في التشريعي، في مقابلة لـ "فرنسا 24" " عام 1944 قَدمَ فريد الأطرش وأسمهان إلى سينما السامر، وأقاموا الحفلات الفنية، شارع الحمرا في يافا كان مركز لتبادل ثقافي لأم كلثوم وعبد الوهاب "
فقدت سينما " السامر" الحضرة الفنية بمساحتها التي بلغت 3 آلاف متر مربع وقد كانت مجهزة بأحدث الأجهزة و الإمكانيات الفنية.
في السبعينيات تراجع دور الحركات العربية القومية، إثر إنهزام جمال عبدالناصر أمام إسرائيل، وبدأ التوجه الإسلامي 1973 قبل سنتين من هذا التاريخ، وصل عدد دور السينما إلى(ثمانية) في عام1971ولكن مع الإنفتاح على "إسرائيل بدأت الأفلام تأتي من هناك، فبدأت التحريض في الجوامع بدايةً ضد السينما، رافق ذلك تهديدات صريحة لمنع الناس بوصفه "كُفراً" حتى صارت الأهالي تمنع أولادها للذهاب إلى العروض.
تستطيع أن تلاحظ تعلق خليل بالماضي وذكرياته وحنينه للسينما من خلال صور عمالقة الفن عرب وأجانب على حائطه، ارتبطت بوجوه الزمن القديم، وحركات عفوية كوميدية أضحكت خليل الطفل في وقت لم تكن فيه فروقات وحسابات سياسية أو دينية.
سألت خليل حول "مستقبل الثقافة في غزة إلي أين؟"، يجيب بائساً،" المستقبل من يؤسسه الحاضر، فعلى مستوى الأفراد هناك جهود هائلة، ولكن هل هناك مستقبل ثقافي على المستوى العام!؟، يسأل ويجيب:" لا أعتقد، لا يوجد أفق واضح في الواقع الحالي، ولن ننتج ثقافة بدون الاستقرار والديمقراطية ورأس المال، ففي العالم الرئيس يحكم المعارضين والمؤيدين، وفي غزة يحكم المؤيدون والمعارضة، ولا حقوق للبقية ".
فَضّل سامي حسنى، صُحفي يكتب لمجلة إيطالية، من منطقة جباليا، في الأربعينيات من العمر، أن يأخذني في جولة بسيارته الصغيرة لنقرأ تاريخ غزة الفني، يقول سامي "محطة السبعينيات شكلت نقطة فاصلة في ازدهار الصالونات الأدبية والمكتبات عامة. ولكن أثر خلافات فكرية و توجهات سياسية دفع المجمع الإسلامي لإغلاق أبواب هذه الأماكن جميعها، والإطاحة بمن يقف خلفها نظراً لاختلافهم الديني معها".
لا ينتمي سامي إلى أي حزب أو فصيل سياسي، يؤمن بالديمقراطية،لا يزال محتفظًا بالكتب العربية والإنجليزية القديمة، وكذلك بذكرياته الشبابية في مغامراته التي رافقته فترة الثمانينات التي أغلقت فيها هذه الأماكن الثقافية إلى سلة النسيان.
يقول سامي، "كنتُ أقضي وقت طويلاً في المكتبة،لم أكن أمتلك المال الكافي لأشتري الكتب،فكنتُ أزورها بإستمرار، أطالع حتى يطردني العامل وتكون الساعة قد غادرت العاشرة مساءً، كل ما تتوقعينه ولا تتوقعينه موجوداً هناك، الخرائط، الترجمات الدينية، و كتب الأديان، الفلسفة والتفاسير والقصص القصيرة و الروايات "
يضيف ممازحاً " كل أصدقائي كانوا من الأغنياء يشترون الكتب، وأنا المفلس الوحيد بينهم،والأسرع في القراءة، ومحباً للإطلاع، فكنت أُفضل المكتبة عن شراء الكتب أو تبادل الكتب معهم ".
عن مستقبل غزة الثقافي، يرى سامي أن مستقبلاً باهتاً ينتظر غزة، في ظل غياب الاستقرار السياسي واستمرار حصار الثقافي والاجتماعي في غزة لتبقى منعزلة عن العالم".
هذه الأماكن، بقيت على حالها الرمادي، لا يلتفت أحد إلى إعادة إعمارها، أو إمكانية استغلالها لاشباع حاجات الشباب في ظل مساحة جغرافيةً ضيقة تلفها أيقونات التقاليد والعادات المجتمعية المحافظة.
الاسلاميون الذين اعتلوا المشهد السياسي قبل سنوات، وأنتجوا ثقافة بديلة خاصة بهم، كيف يُفكرون بدور السينما التي كانت قائمة في غزة،وشهدت حضورًا واهتمامًا كبيرين من عامة الناس، قبل عقدين من الزمان.
سألت مصطفى أبو عامر، في الثلاثينيات من عمره، يعمل مدرساً لمادة الفقه الإسلامي، في جامعة الأمة في غزة، "هل تعلم من أغلق دور السنيما في غزة؟، وهل تعلم مدى أهمية الأماكن الثقافية لشريحة الشباب والشعراء والكتاب؟.
أجاب بلا تردد "الغيورين على الدين"، ألا يمكن إمكانية إعادة الحراك الثقافي في غزة،و استغلال هذه الأماكن بأمور أخرى تهم الشباب, قال" أغلب هؤلاء الشباب ليسوا ملتزمين، يشكلون مجموعات مختلطة، يسيئون فيها التصرف، وجدنا الكثير من القصص المخالفة للأخلاق لهذا أغلقت!".
مصطفى غيّر مجرى الحديث مُركِزاً على الجنس "الذكر والأنثى" والاختلاط والشكل الظاهري لهؤلاء، وقال:" تكمن مشكلة الثقافة في شكلها غير المرحب به، أشخاصاً وأدوات أم في الحالة التي تربط أصحاب الثقافة، الذين ارتبطت أفكارهم وانتماءاتهم بحركات علمانية أو ليبرالية أو شيوعية.
أبو عامر يعكس حالة بعض الإسلاميين الذين لم يستطيعوا حتى الآن، استيعاب مضامين الحرية والانفتاح الفكري. ولم تعد الثقافة ذات أولوية للبقاء في فكرهم، فَسُلَم قيمنا لا يمكن أن يبنى اليوم، إلا على أولوية الثقافة والتعليم، و" أن القرن الواحد والعشرين، سيُنقَذ بواسطة الثقافة أو يَغْرَق"، وهو ما أكده أمين معلوف في كتابه "اختلال العالم" بجزئه الثاني "الشرعيات الضالة"..
