منذ أكثر من عام، اختار الأمين العام للأمم المتحدة اللون البرتقالي للترويج لحملة "16 يوما للقضاء على العنف ضد المرأة"، وفي اختياره دعا إلى صبغ المحيط، متاجر ومطاعم ومدارس ومراكز، باللون البرتقالي خلال أيام الحملة، التي تبدأ يوم الإعلان العالمي للقضاء على العنف الواقع في الخامس والعشرين من تشرين الثاني، وتنتهي بمناسبة يوم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول.
لا شك ان اللون البرتقالي من أجمل الألوان المعروفة، على الرغم من أنه استخدم في شكلين متناقضين ومتضادين. حيث تم فرض الزي البرتقالي على أسرى سجن "جوانتانامو" الذي اشتهر بخروجه وعدم التزام أو تعامل أصحابه مع قيم حقوق الإنسان، كما يعيد للذاكرة محاولة الاحتلال فرض ذات اللون والزي على الأسرى الفلسطينيين، "لغاية في نفس يعقوب"، بقصد إذلالهم وخلط نضالهم بالتهم الجنائية.
وفي ذات الوقت، فاللون له إيحاءاته الملهمة ايجابا، حيث يُستخدم للتعبير عن الثورة والتغيير والمعارضة للأنظمة، فأصبح له سمعة حسنة تعبِّر عن جاهزية الجماهير للحراك نحو التغيير ومقاومة الظلم والاضطهاد.
أعتقد أن الأمين العام للأمم المتحدة اختار البرتقالي كلون له سمعة ثورية في صنع التحول استمدها من استخدامه في رايات وبيارق وملابس بعض الشعوب التي وصلت إلى تحقيق أحلامها، وعليه اختياره للحملة من أجل مقاربة الثورات البرتقالية بنضال النساء ضد العنف والتمييز، كفئة تعاني من الضغط والعنف والتمييز، وتتموضع في رأس قوائم المظلومين والمهمشين في العالم..
إلا أن الأمين العام وحملته، لم يبلغونا إن كان مستعداً للاعتراف بالفروق الخاصة بين مظلومة ومظلومة أخرى، بين المضطهدات في الدول الحرة والمستقلة وبين النساء المضطهدات والمظلومات في فلسطين وفي غيرها من البلدان التي تعاني من الحروب والعسكرة، ولم يتطرق إلى مسؤوليتهم عن استمرار حلقات العنف التي تطبق على أنفاسهن كجهة مسؤولة عن تحقيق ومراقبة السلام.
لم يضع الأمين العام الحدود والفواصل بين عنف وظلم يمارس بسبب القهر القومي والوطني والعنصري يُؤدي إلى إنتاج أشكال مختلفة من العنف الاجتماعي، وهو عنف لا يُحارب باللون البرتقالي أو يُظَهَر من خلال صبغ المحيط به، وبين ظلم يقوم ويتأسس على التمييز الجنسي والتجاهل والتهميش؛ دون أن أقلل من شأن العنف الاجتماعي ضد المرأة لكونه يؤدي أيضا إلى القتل ويعيق ويؤخر تنمية المجتمعات.
هل يقترح الأمين العام علينا، أن تتشح النساء الفلسطينيات في قطاع غزة باللون البرتقالي بدلاً من لبس لون الحداد الأسود..وهل يقترح على النساء في الضفة الغربية تغطية الجدران العازلة باللون البرتقالي كوصفة ناجعة لتسهيل المرور ومحاربة سياسة الفصل العنصري، وهل يريد منهن دهن الحواجز والبوابات الحديدية باللون البرتقالي..وهل يوصي المقدسيات المرابطات على باب الأقصى بارتداء الملابس البرتقالية لضمان أمنهن وحقهن في الصلاة بالمسجد الأقصى كطريقة مضمونة لعدم اعتقالهن وضربهن وإهانتهن من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال..؟!
قد تكون وصفة حملة الأمين العام البرتقالية ناجحة في أكثر من بلد، ولكن الأمر ليس في فلسطين، حيث الأمر لا يتم حله بالزخارف والحملات الملونة، بل بتطبيق قرارات الشرعية الدولية. قد تكون الحملة جاذبة وتصل إلى أهدافها في تسليط الضوء على العنف الاجتماعي، لكن في فلسطين حيث الاحتلال يجثم على صدور الناس مانعا التنفس، تصبح السياسات المطلوبة بالعمل على إنهاء الاحتلال ووقف عنفه الذي سيقضي على حياة ووجود الفلسطينيات، قبل أن يضعن يدهن على أي حلقة من حلقات العنف الاجتماعي.
ستة عشر يوماً برتقالية لمناهضة العنف ضد المرأة!
تاريخ النشر : 2014-11-23 18:26
